عبد الملك الجويني

471

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا من لطيف ما يتعين تأمله ، فالموات لا ينتقل عن حُكمِ الإباحة من غير ظهور آثار حكم الإحياء فيه ، وفي الآثار تفاصيل ستأتي في كتابها ، إن شاء الله تعالى . والشارع قد لا يحتاج فيه إلى إثباتِ أثر ، ولكن احتفافَ الدور واصطفافَها ، على شقي بقعةٍ من الموات ، مع تهيئة المنافذ إليها يهيئها ، وينزل منزلة التأثير في المواتِ باتخاذها مزارعَ ، أو زرائبَ ، أو دوراً ، ولا حاجة في ذلك إلى لفظٍ ونطقٍ ، ولا حاجة إلى تقدمٍ في المواتِ ، ثم ردّه إلى جهة الاستطراق ، وليس [ الشارع ] ( 1 ) من حقوق الأملاك ؛ فإن الناس فيه شَرَعٌ ( 2 ) . فلم يلتحق بالحقوق المختصة كالدِّمَن ( 3 ) ، ومطارح التراب ، وغيرها ؛ فإذاً اتجه مصير المواتِ شارعاً بجهتين : إحداهما - صرفُ الملك إليه . والثاني - ما ذكرناه من تشكيل الأملاك على شكلٍ ، يقتضي مصيرَ المواتِ شارعاً . 4146 - وكل موات في علم الله تعالى - فهو شارعٌ للخلق ، على أنه لا منع من الاستطراق ، ولكن لا يمتنع إحياؤه ، حتى لو لم يفرض ما قدمناه من تهيئة الشوارع . وكان بعض الناس يطرقون الموات ، فلا يُمنع إحياؤه ، والتحويطُ عليه ، وصرفُ الممرّ منه . وكان شيخي يقول : " هذا إذا لم يصر موضعٌ من المواضع جادَّةً مَتْناً ( 4 ) ، يطرقها الرفاق ، فإن ظهرت جادةٌ موصوفة [ بهذه الصفة ] ( 5 ) ، وإن لم تحتفّ بها أملاكٌ ذاتُ منافذ ، فلا يجوز تغييره ، وصرفُ الممر عنه " . فإن ( 6 ) كان هذا يُعدّ إحياءً ، فهو بدع لا نظير له ، إذ ليس يُدرى فيه مبتدىء عن قصدٍ ، وممهِّدٌ ، ولا يتعين فيه قصدُ قاصد ، ولكن إذا أُلفي ، أُقرّ . فليفصل الفاصل بين الممر المعروف وبين مسلك

--> ( 1 ) فِي الأصل : التنازع . ( 2 ) شَرَعٌ : أي متساوون . ( 3 ) الدّمن : جمع دمنة ، والدمنةُ موضع الدمن : والدمن هو ما يتلبد من السرجين ، وفضلات الدواب . ( مصباح ) . ( 4 ) متناً : المتن من الأرض ، ما ارتفع وصلُب . ( معجم ) . والمراد هنا أن يصير الموات شارعاً مُعبَّداً مهيَّاً يطرقه الناس ويعتادونه ، فلا يجوز عندئذٍ صرف الناس عنه بحجة الرغبة في إحيائه . ( 5 ) زيادة من المحقق ، اقتضاها السياق . ( 6 ) هذا تعليق الإمام على كلام شيخه . رضي الله عنهما .