عبد الملك الجويني
438
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل 4077 - قد ذكرنا ما يحصل البلوغ به ، ونحن نذكر الآن الرشدَ ومعناه ، ونقيضه ، وهو السفه ؛ فإن الربَّ تعالى علق زوال الحجر في حق الصبي بالبلوغ ، وإيناس الرشد ، فقال تعالى : { فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا } [ النساء : 6 ] فنذكر معنى الرشد ، فنقول : الرشيد هو الصالح في دينه ، المصلح لمالهِ ، فلو بلغ الصبي مبذراً ، وهو الذي يصرف ماله في جهةٍ لا يستفيد به أجراً في الآجل ، ولا حمداً ممّن يُعتبر حمدُه في العاجل . هذا معنى التبذير . 4078 - فإن بلغ الصبي فاسقاً ، وكان يعدُّه أهل المعاملات مصلحاً لماله ، مقتِّراً ضابطاً ، فهو في معنى المبذر ؛ والسَّبب فيه أن الفاسقَ قد يصرف أمواله إلى [ اتخاذ ] ( 1 ) الخمور ، [ وأجرة القَيْنات ] ( 2 ) وأبناءُ جنسه يعدّونه مقتصداً في نوعه ، وصرفُ المال إلى هذه الجهات تبذيرٌ في الشرع ، وإفسادٌ للمال . 4079 - ولو كان يتعدى طوره ( 3 ) في اتخاذ الأطعمة الفائقة الكثيرة القيمة والمؤنة ، وكان لا يليق ما يفعله بمنصبه ومرتبته في اليسار ، فهذا منه تبذير . ويختلف ما أشرنا إليه باختلاف المنازل والرتب . 4080 - وذكر أئمتنا أنّ صرف المال في الخيرات وجهاً القربات ليس بتبذير . ومن رشيق كلام المتقدمين قول بعضهم : لا خير في السَّرف ، ولا سرف في الخير . وكان شيخي يفصل ذلك تفصيلاً حسناً ، ويقول : إذا بلغ الصبي ، وكان يتشوف إلى صرف المال إلى الخيرات على سرفٍ ، فهو تبذير منه ، [ وإن بلغ مصلحاً للمال مقتصداً ، وزال الحجر ، ثم طرأ السَّفه ، فنذكر أنه يعود الحجرُ ، فلو طرأ إفراطٌ في صرف المال إلى الخيرات ، فلا نُعيد عليه الحجرَ بهذا . وعند ذلك يقع الفرق بين
--> ( 1 ) مزيدة من ( ت 2 ) . ( 2 ) ما بين المعقفين أثبتناه من ( ت 2 ) . مكان كلمة واحدة بالأصل تعذر قراءتها ، صورتها هكذا : ( واحساه ) . ( 3 ) في الأصل : في طوره .