عبد الملك الجويني

277

نهاية المطلب في دراية المذهب

فأما رهنها مطلقاً ، فكيف السَّبيل فيه ؟ نرسم صوراً ونرتب بعضها على بعض . فنبدأ برهن الثمار قبل بدو الصّلاح فيها ، ونفرض رهنها بالدين الحال . فنقول : إذا رهنت بالدين الحال مطلقاً من غير شرط القطع ، ففي صحة الرهن قولان ، ذكرهما صاحبُ التقريب وغيرُه : أحدهما - أن الرهن يفسد كما يفسد البيع على هذا الوجه ، والرهن يتبع البيع في الصحة والفساد . والثاني - أنه لا يفسد لمعنيين : أحدهما - أن الحلول في الرهن قرينةٌ حالّة محل شرط القطع ؛ فإنّ مبنى الرهن بالدين الحال أن الرهن إذا كان بحيث يتسارع الفساد إليه ، فإنه يباع على فوره ، ويصرف ثمنه إلى الدين ، أو يوضع رهناً . فإذا كنا نصحح رهنَ ما يتسارع إليه الفساد بالدين الحال حملاً على ما ذكرناه ، فرهن الثمار بالدين الحال قبل بدوُّ الصلاح أولى ؛ فإن ما يتوقعه من تعرّضها للصّواعق وغيرها من الآفات أبعد من توقع الفساد ، فهذا أحد المعنيين . والثاني - أنا لا نشترط في الرهن من الاحتياط ما نشترطه في البيع ؛ والسبب فيه أن حق المرتهن الأصلي دينه ، ودينه لا يسقط بفوات الرهن ؛ ومقصود البيع يضيع بتلف المعقود عليه . وهذا المعنى فيه ضعف ، وإن ذكره الأئمة . والمعنى الأول كافٍ . هذا إذا كان الرَّهن بدين حال . 3760 - فأما إذا كان بدين مؤجل نُظر : فإن كان الصَّلاح لا يبدو قبل حلول الأجل ، بل الأجل يحل أولا ، فلو رهن الراهن هذه الثمارَ على شرط أن [ لا ] ( 1 ) تباع بشرط القطع ، ففي صحة الرهن قولان مشهوران : أحدهما - لا يصح ، كما لا يصح البيع في نظير هذا . ومن اشترى ثماراً لم يبد الصلاح فيها على شرط أن يقطعها بعد يوم ، فالبيع يفسد لتضمنه شرط التبقية ، ولو في زمن قريب ، فليكن الرهن كذلك . والثاني - أن الرهن يصح ، ولم يوجه الأصحاب هذا القولَ إلا بالمعنى الثاني الضعيف ، الذي ذكرناه في صورة الرهن بالدين الحالّ . فقالوا : البيع لو بني على الغرر ، خيف سقوط العوض والمعوض بتقدير التلف ، والرهن لو ضاع ، لم يضع الدين به .

--> ( 1 ) ساقطة من الأصل .