عبد الملك الجويني

266

نهاية المطلب في دراية المذهب

3748 - عاد بنا الكلامُ إلى الهجوم على مقصود الفصل . فإذا ادعى رجلان على واحدٍ ، كلُّ واحدِ منهما يدعي عليه أنه رهن عبده منه وسلمه إليه ، وقال كل واحد منهما : إنه بعدما سلمه إليه رهناً مستحقاً ، انتزعه من يده غصباً أو استعاره منه وسلمه إلى الثاني . ونفرض المسألة فيه إذا لم يكن لواحد منهما بينة ؛ فإن القول في البينات وتعارضها لا يبين إلا في كتاب الشهادات ، فإذاً لا بينة ، والدعوتان مطلقتان ، لا تاريخ في واحد منهما ، إلا أن كل واحد منهما يدعي السبقَ والتقديمَ بالقبض ، فلا يخلو إما أن يكون العبد في يد المالك أو في أيديهما ، أو في يد أحدهما : 3749 - فإن كان في يدي المالك ، أو يدي وكيله أو نائبه ، فلا يخلو في التقسيمة الأولى إما أن يصدقهما ، وإما أن يكذبهما ، وإما أن يصدق أحدهما ويكذبَ الآخر ، فإن كذبهما ، فالقول قوله مع يمينه ، فيحلف وينتفي العقدان . وإن صدق أحدَهما وكذّب الثاني ، حكم بالرهن في ترتيب الكلام للمصدَّق منهما . وهل للمكذَّب أن يستحلف المقِرَّ ؟ هذا يبتني على أنه لو أقرّ له بعد أن أقر للأوَّل ، فهل يغرم القيمة للثاني ؟ فعلى قولين ، نبهنا عليهما في صَدْر الفصل . فإن قلنا : لا يغرَم ، فلا فائدة في تحليفه ؛ فإن اليمين تعرض حتى يهابها المعروض عليه ، ويقرّ . ولو أقر لم يكن لإقراره حكمٌ في حق الثاني : لا في نقض حق الأول من الرهن ، ولا في إثبات العوض ، فلا معنى لليمين إذاً . وهاهنا تنبيه على خبطٍ لبعض الأصحاب ، تردد في مواضع فإن قلنا : لا يحلف المقِرّ ، فلا كلام . وإن قلنا : يحلف ، فإن حلف ، فلا كلام . وإن نكل ، رُدّت اليمين على المدعي ، فإن نكل كان نكولُه بمنزلة حلف صاحبه . وقد مضى حُكم حلفه . وإن حلف ، فقد قال بعض أصحابنا : هذا ينبني على أن يمين الرد بمثابة إقرار المحلَّف الناكل ، أو بمثابة بيِّنةٍ مقامة في الخصومة ؟ فإن قلنا : هي بمثابة إقراره ، فلا يثبت إلا الغرم ، كما تفصل من قبل . وإن قلنا : يمين الرد كبينة ، فقد قال بعض الضعفة : تُجعل يمين الرد كبينة في الواقعة ، تزيل يدَ المقر له أولاً ، ويسلم الرهن إلى الثاني ، كما لو قامت بينة على حسب هذا .