عبد الملك الجويني

265

نهاية المطلب في دراية المذهب

أولاً من عمرو ، وسلمه إليه ، فكان إقراره الثاني مخالفاً للأول . أما الرهن ، فهو في ظاهر الأمر مسلَّمٌ إلى المقر له أولاً ، وهل يغرَم المقِر للمقر له ثانياً قيمة ذلك الرهن لتوضع رهناً ؟ فهو على قولين مأخوذين من أصلٍ معروف في أن الحيلولة في الأموال بالأقارير [ وبالشهادات هل توجب الغرامة على المتسبب إلى إيقاعها بالإقرار ] ( 1 ) أو بالشهادة المتصلة بحكم الحاكم ؟ هذا الأصل على قولين . ومن صوره لو قال : غصبت هذه الدارَ من فلان ، لا بل من فلان . وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله عز وجل في كتاب الغصوب ، وفيه يتبين تفاوت المراتب في مسائل الأصل ، ويتسلسل الترتيب ، وما ذكرناه من القولين في الرهن ليسا على كمال البيان . وكمال بيانهما في أثناء الفصل ، وإنما غرضنا التنبيه على ما يُفضي إليه الإقرار الثاني من أمر الغرم . 3747 - ومما نقدمه أن المالك لو قال : رهنت عبدي فلاناً من زيدٍ وأقبضته ، بعد أن كنتُ رهنته من عمرو وأقبضته ، فصدقُ الإقرار يقتضي تقديمَ زيد . ومنتهى الكلام المنعطف على أوله يقتضي أن يكون المتقدم عمراً . هذا تخريجٌ على القولين في أن الاعتبار في مثل ذلك بأول الإقرار ، أو بآخر الكلام المتواصل . فإن قلنا : الاعتبار بآخر الكلام ، فالمقَرُّ له بحق السبق هو المذكور آخراً . وإن قلنا : الاعتبار بصدر الكلام ، فالمقر له أولاً هو المذكور أولاً في صدر الكلام ، وهذا مأخوذ من قول القائل : لفلان علي ألفُ درهم من ثمن خمرٍ ، فإن بنينا الأمر على آخر الكلام ، لم نُلزمه شيئاً ، وإن بنيناه على أوله ، ألزمناه الألفَ المقرَّ به ، المذكورَ صدراً في الكلام ، وأحبطنا الآخر ، وسيأتي بيان هذا في الأقارير إن شاء الله . فإذا تبين الاختلاف في مسألة الرّهن في أن الأوّل في ظاهر الحكم مَنْ ؟ فمن نقدره أولاً ، فالرهن مسلم إليه ، وهل يغرَم المقر لمن نقدِّره آخراً أم لا ؟ فعلى ما قدمناه من القولين .

--> ( 1 ) زيادة من ( ت 2 ) .