عبد الملك الجويني

159

نهاية المطلب في دراية المذهب

نعم لو وقع شيء في الخمرة من غير قصد ، فقد رأيت فيه تردداً لبعض الأصحاب إذا منعنا التخليل . 3622 - وقد نجز التفصيل في التخليل ، وحان أن نذكر ما وعدناه من كلامٍ [ للأصحاب ] ( 1 ) خارجٍ عن ضبط المذهب ، وذلك في صورتين : إحداهما - أن العناقيد إذا استحالت أجوافها إلى الشدة ، والحبات متصلة بالعساليج ( 2 ) ، فقد ذكر القاضي وطائفة من الأئمة وجهين في جواز بيعها ، وطردوا هذا الخلافَ في بيع البيضة التي حال مُحُّها وماحُها دماً وهو إلى الانقلاب إلى تخليق الفرخ . ومن ذكر هذين الوجهين لم يخصهما بحال من يقصد اتخاذَ الخل ، حتى يحمل على الحرمة . نصّ عليه القاضي ، ولم يفرض المسألةَ إلا فيمن يتخذ الخمر ، ثم روجع في نجاسة أجوافها ، فتوقف ، وهذا عظيم ؛ فإن متضمنها الخمر الشديدة . ولا يليق بقاعدتنا أن ننفي حكمَ النجاسة عما في بواطنها ، ثم نقول : لو اعتصرت ، صارت نجسةً ، والانفصال لا يتضمن تثبيت النجاسة . وهذا يوافق مذهب أبي حنيفة ( 3 ) ، إذ قال : الدماء في العروق في خلل اللحم ليست نجسة ؛ فإذا سفح وزايل ، اكتسب النجاسة ، وزعم أنه تمسك في هذا بظاهر قوله تعالى : { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } [ الأنعام : 145 ] وهذا مخصوص بالدم ، فلا وجه لهذا إذنْ ، ولا خروج للخلاف في البيع إلا على أمرٍ وهو أن البيضة ظاهرها طاهر ، والنجاسة مستترة بالقيض ( 4 ) استتار خِلقة ، والبيضة في نفسها صائرة إلى رتبة الفرخ ، فكان ابتياع البيضة وحشوها الدم كابتياع العصفورة وحشوها النجاسة ، فاعتمد البيعُ مقصودَ البيضة ، وطهارة الظاهر . والعنقودُ طاهرٌ وحشوه نجاسة مستترةٌ ، وهي إلى الحموضة . فإن قيل : قد فرضتموها في حال من يقصد الخمرَ ؟ قلنا : نعم ولكن العادة جاريةٌ بأن من يبغي الخمر يعتصر ، ولا يصب في الدنان إلا العصير ، فإن الثجير وعفوصتَه

--> ( 1 ) في النسخ الثلاث : " من كلام الأصحاب خارج " . ولعل لها وجهاً في اللغة لا أعرفه . ( 2 ) جمع عِسلاج وعُسلوج . وهو ما لان واخضرّ من قضبان الشجر والكرم . ( معجم ) . ( 3 ) ر . أحكام القران للجصاص : 2 / 303 ، البحر الرائق : 1 / 241 . ( 4 ) القيض : القشرة العليا للبيضة .