عبد الملك الجويني
160
نهاية المطلب في دراية المذهب
تفسد شدة الخمر ، فإذا وجدنا العناقيد ، لم نعول على قصد المتخذ إذا كان ما وجدناه مائلاً عن عادة من يقتني الخمور . وهذا القائل يقول : لا نجوز إتلافَ العناقيد على أربابها ؛ إذ يستحيل الجمعُ بين جواز بيعها وبين جواز إفسادها . وليس كالمرتد يباع ؛ فإنّ قتله غير مستحق ، ولكنه مدعوّ قهراً إلى الإسلام ، بالتعنيف . والقتلُ المستحق قد يمنع صحة البيع في العبد الذي استوجب القتلَ في المحاربة . وقد ذكر الأصحاب منعَ البيع في المرتد ، كما قدمته . فهذا تلخيص القول في ذلك . فإن قيل : أليس اختلف الأصحاب في جواز الصلاة مع البيضة المذرة ، فهلا فهمتم من هذا الاختلاف الترددَ في نجاسة حشو البيضة ؟ قلنا : جواز الصلاة مأخوذ من الاستتار الخِلقي المشبه باستتار النجاسة بالحيوان . وقد طرد بعض الأصحاب الخلافَ في جواز الصلاة مع حمل قارورة مصممة حشوها نجاسة . هذا بيان إحدى الصورتين . 3623 - الصورة الأخرى في الخمرة المحترمة ، كما سبق وصفها - قطع الأصحاب بأنها ليست مالاً ، ولا تضمن إذا أُتلفت ، وليس على متلفها إلا التوبيخ والتأديب ، على ما يراه صاحب الأمر . وذكر الشيخ أبو علي تردداً في بيعها ، وتردداً في طهارتها وهي خمرة مشتدّة محرّمة ، وهذا خرم المذهب ، ومصادمة القاعدة . وما ذكرناه من استحالة العصير خمراً ، وارتفاع الرهن ، وعوده إذا صارت الخمر خلاً ، والفصل بين ما قبل القبض وبعده ، يخالف جواز بيع الخمر ، فلا وجه لهذا . وإنما التردد في مسألة العنقود . وفيها من الإشكال ما تقدّم . والوجه القطع بمنع بيعها أيضاً ، لنجاسة أجوافها ، وليست هي حيوان ، فإن الحيوان لاختصاصه بالحياة ممتاز عن النجاسات المجاورة له ، والبيضة والعنقود وإن انتظمت ظواهرها وبواطنها خِلقة ، فإذا بيعت بجملتها ، فلا تمييز لبعضها عن البعض بالحياة والجمادية ، فالبيع فيها ممتنع ؛ وأيضاً فإن المقصود منها أجوافها وحشوها نجس ، والمقصود من الحيوان نفسه . فهذا تمام ما يحضرنا في بيان ذلك .