عبد الملك الجويني
158
نهاية المطلب في دراية المذهب
ويشهد له حديث أبي طلحة ، فإنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خمور الأيتام ، وما كانت اتخذت إلا واتخاذها جائز ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تخليلها . ومن أصحابنا من قال : يحل التخليل في الخمر المحترمة ؛ فإنها ليست مستحقة الإراقة ، وهذا القائل يجيب عن حديث أبي طلحة ، ويقول : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم براقتها ، والخمرة المحترمة لا تراق بالإجماع ، فلعلَّ تلك الخمرةَ كانت اتخذت بعد التحريم ، فإن العصير ينقلب في يوم في حر الحجاز خمراً ، ولعل هذا كان والأمر على التشديد ، كما يدّعيهِ أصحاب أبي حنيفة . وللنظر في هذا مجال على الجملة . ولا مبالاة إن جوزنا التخليل بما ذكره أبو يعقوب من فصل النجاسة . هذا إذا كان التخليل بإلقاء شيء في الخمرة المحترمة . فأما إذا كان التخليل بالنقل من شمس إلى ظل ، أو من ظل إلى شمس ، فالمذهب جواز ذلك ، وإلحاقُه بالإمساك . وذهب طائفة من أئمة المذهب إلى تحريم ذلك ، وإلحاقِه بالتخليل المحرم . وهذا رديء مخالف لما درج عليه الأولون فعلاً ، ولم يُبْدَ عليهم نكير . وكان شيخي أبو محمد يقول : إن طرح في العصير ملحٌ ، وكان سبباً لتعجيل التخليل ، ففيه تردد بين الأصحاب ، وهو في معنى النقل . وهذا عندي بعيد ؛ فإن المعالجة لم تصادف خمراً . وسمعته مرة يقول : تلك الأعيان لا حاجة إليها فتنْجُس بالخمر ، ثم لا يزول حكم النجاسة عنها ، بخلاف نجاسة الظروف . وهذا تردد على طريقة أبي يعقوب ، وهي في أصلها باطلة ، والتفريع عليها باطل ؛ فإنا لو التزمنا تمحيص العصير ، لنقَّيناه من العناقيد ، والثجير ( 1 ) ، والتزمنا تصفيته جهدنا عن الأقذاء ، وهذا أمر طويل لا يستريب محصل في حَيْده عن سمت الشريعة .
--> ( 1 ) الثجير : ثُفْلُ كل شيء يعصر ، كالعنب وغيره ( معجم ) .