عبد الملك الجويني
156
نهاية المطلب في دراية المذهب
انقلبت الخمر خلاً ، نجسته تيك العين المتنجسة بملاقاة الخمر . وهذا قول غيرُ صادر عن فكرٍ قويم ؛ فإنه لا معنى لتنجيس العين إلا اتصال أجزاء الخمر بها ، وجوهر تلك العين على الطهارة ، فإذا انقلبت الخمر خلاً ، فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت العينَ الواردةَ على الخمر ؛ فلا حاصل إذن لذلك ، والتعويل في تحريم الخل على تحريم التخليل كما ذكرناه في ( الأساليب ) . هذا قولنا في التخليل بطرح شيء في الخمر ، والحكم متفق عليه ، والتعويل على تحريم التخليل . 3620 / م - ولو لم يطرح في الخمرة المستحقة الإراقة شيئاً ، ولكن نقلت إلى ظل أو شمس ، وكان ذلك سبباً في المعالجة ، ومعاجلة تحصيل الحموضة ، فإذا زالت الشدة ، ففي المسألة وجهان بناهما بعض الأصحاب على التردد الذي ذكرناه في التعليل في المسألة الأولى . قالوا : إن عللنا بالنجاسة ، فهذا المعنى مفقود هاهنا ؛ لأنه لم يطرأ على الخمرة ما ينجسُ بها ، وإن عوّلنا على التحريم ، فالتخليل عبارة عن التسبّب إلى إكساب الخمر الحموضة . وهذا المعنى يحصل بالتشميس ، والنقل . ولا حاجة إلى هذا البناء ؛ فإن فصل ( 1 ) النجاسة باطل قطعاً . وإن اعتمده أبو يعقوب ( 2 ) وطائفة من أئمة الخلاف . ولكن توجيه الوجهين في التشميس والنقل يهون من غير بناءٍ ، فأحد القائلين يتمسك بقصد التخليل وقد حرمه النبي عليه السلام في الخمرة المستحقة الإراقة ، ولما قال أبو طلحة في خمور الأيتام : أخللها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا " . ولم يتعرض للتفصيل في التخليل ( 3 ) ، فهذا وجه .
--> ( 1 ) المراد بفصل النجاسة : التعليل بنجاسة ما يطرح فيها عند ملاقاته عينَها ، وليس الفصل الحسّي ؛ فالمعنى أنه يجري في هذه الصورة وجهان من غير بناء على التعليل بالنجاسة . ( 2 ) أبو يعقوب : هو أبو يعقوب الأبيوردي . ( 3 ) حديث أبي طلحة : رواه أحمد : 3 / 119 ، 180 ، 260 ، وأبو داود : كتاب الأشربة ، باب ما جاء في الخمر تخلل ، ح 3675 ، والترمذي : البيوع ، باب ما جاء في بيع الخمر والنهي عن ذلك ، ح 1293 ، وأصله في مسلم : الأشربة ، باب تحريم تخليل الخمر ، ح 1983 ، وانظر التلخيص : ( 3 / 82 ح 1240 ) .