عبد الملك الجويني
50
نهاية المطلب في دراية المذهب
المراوزة ، والعراقيون في توجه المطالبة على العامل ( 1 ) خلافاً ، وقالوا : من أصحابنا من قال : لا تتوجه المطالبة على العامل ، وهو ظاهر كلام المزني ، ومنهم من قال : تتوجه المطالبة عليه ، وهذا الخلاف في توجيه المطالبة أولاً ، لا في قرار الضمان . ثم وجه الأئمة الخلاف بأن قالوا : لا تثبت اليد للعامل ؛ فإنه غيرُ مستحفظٍ بخلاف المودَع ؛ فإنه مستحفظٌ من جهة المودع ، واستدلّوا في ذلك بأن قالوا : لو جرت المساقاة مع المالك ، ثم سُرقت الثمار ، وكانت على رؤوس الأشجار بتقصيرٍ من العامل في الحفظ ؛ فلا ضمان عليه ؛ فإنا لا نكلّفه القيامَ بالحفظ ، وإنما نكلفه الأعمال المشهورة المؤثرة في تنمية الثمار . فهذا وجهُ من لا يضمّن العامل الآخذ من جهة الغاصب . والوجه الثاني - أنه يضمن لثبوت يده ظاهراً حساً . قال القاضي : قد ذكرنا تردداً في أنه هل يجب على العامل القيام بحفظ الثمار ، وهل يلتحق ذلك بالأعمال المشروطة عليه ، وهذا الخلاف الآن دليلٌ على ذلك التردد الذي قدمناه ، فيجب أن نقول : إن ألزمناه الحفظَ ، توجهت عليه المطالبةُ ؛ إذ ترتبت يده على يد الغاصب ، وكان كالمستودَع من الغاصب ، وإن لم نُلزمه الحفظَ ، لم تتوجه عليه المطالبة . وهذا عندي كلام خارج عن الضبط المعتبر في مثل ذلك ، من وجهين : أحدهما - أن اليد وثبوتَها أمرٌ محسوس ، فتلقِّي ذلك من وجوب مؤنة الحفظ كلامٌ مضطرب ، فالثمار مما تثبت اليدُ عليها ، ويد العامل - من طريق الصورة - ثابتةٌ حسّاً ، وضرورةً ، ومن ثبتت يدُه على عينٍ مغصوبة فيستحيل بعد ذلك إبداءُ المراءِ في أنه هل يطالب أم لا . وعندي أنه يجب القطع بوجوب الحفظ على العامل في الثمار ، حالةَ استمرار يده ؛ فإنا لا نجد صاحب ( 2 ) يدٍ في ملكِ غيره بجهةٍ شرعيةٍ ، إلا وهو مأمور برعاية حق الحفظ
--> ( 1 ) وجه المطالبة للعامل - وقد تلفت الثمار على الأشجار - أنها تكون تحت يده . ( 2 ) ( ي ) ، ( ه 3 ) : أصحاب .