عبد الملك الجويني
81
نهاية المطلب في دراية المذهب
فصل فيما أثّرتِ النار فيه 2961 - هذا في وضعه كالقولِ في بيع الشيء في غير حال كماله ، ولكنا أفردناه لغائلةٍ فيه . فنقول : بيع الدّبس ( 1 ) بالدّبس ممتنع باتفاق الأصحاب ؛ والسببُ فيه أن النار قد أثرت فيه تأثيراً بيّناً ، وأثر النار يتفاوتُ في التعقيد تفاوتاً ظاهراً ؛ فإن ألسنة النار في اضطرابها تختلف حتى يُرى حِسّاً اختلاف الأثر فيما يحويه المرجل الواحدُ ، وإذا كان كذلكَ ، فالدِّبس قد كان عصيراً ، والعصير على كمالٍ ، إذ يجوز بيع العصير بالعصير ، وإذا نظرنا إلى مقدار من الدّبس يقابله مثله ، فلا نَدْري كم في أحدهما من أجزاء العصير قد تعقَد ، وكم في الثاني منه ؛ فكان هذا خارجاً [ على ] ( 2 ) منعنا بيعَ الدقيق بالدقيق ، نظراً إلى توقع تفاوتٍ في كمالٍ سبقَ للحب ، فهذا ما عليه التعويل . ولو قيلَ : قد يخالف مكيالٌ من الدبس مكيالاً في الوزن لتفاوتٍ في التعقد ، لكان كذلك ، ولكن لا معولَ عليه ؛ فإن المعقَّد يباع وزناً ، فالتعويل على ما قدمته [ من ] ( 3 ) ملاحظة كمال العصير . فهذا بيانُ قاعدة الفصل . 2962 - ولو مِيزَ ( 4 ) شيءٌ من شيءٍ من غير تعقيدٍ ، لم يضرّ ، كالشمع يُميَّز بالشمس عن العسل ، ثم يباع العسل بمثله ، فيجوز ، ولا امتناع فيه . ولو مِيزَ الشمع بالنار ، ووقع الاختصار على قدر الحاجةِ في التمييز ، ففيه اختلاف : من أئمتنا من قال : هو بمثابة التمييز بالشمس ، ومنهم من منع ؛ لأن النار أعظم وقعاً من الشمس ، وهي تؤثر آثاراً متفاوتة في مقدار زمان التمييز .
--> ( 1 ) الدِّبس : عصارة الرطب . ( 2 ) في الأصل : عن . ( 3 ) في الأصل : بين . ( 4 ) ميز : وزان بيع ، من مازَه : فصله عن غيره . ( معجم ) .