عبد الملك الجويني

82

نهاية المطلب في دراية المذهب

وظهر اختلاف الأئمة في بيع السكر بالسّكر ، والفانيذ بالفانيذ ( 1 ) ، فمنعه بعضهم واعتمد أن تأثير النار ظاهر ، وهو فوق التأثير في الدِّبس . وقالَ بَعضُهم : يصح ؛ فإن تأثير النار قريب ، والانعقاد من طباع السكر ، لا من أثر النار ، وأجزاءُ السكر لا تتفاوت . فإن قيل : إذا صُفِّي العسلُ بشمس الحجازِ ، فقد يكون أثر الشمس في تلك البلاد بالغاً مبلغ النار ؛ فإنا نرى شرائح اللحم تُعرض على رمضاء الحجاز ، فتنش نشَيشَها على الجمر . قلنا : هذا فيه احتمال ، والأظهر جواز البيع ؛ فإن أثر الشمس فيما أظن لا يتفاوت ، وإنما يتفاوت أثر النار ؛ لاضطرابها ، وقربها وبُعدها من المرجل . والتعويل على تفاوت الأثر ، بدليل أنه لو أُغلي ماءٌ بالنار ، أو خَلٌّ ثقيف ( 2 ) ، لم يمتنع بيع بعضه بالبعض ؛ فإن النار لا تؤثر في هذه الأجناس بتعقيدٍ ، حتى يفرضَ فيه التفاوت ، فتزيل بعضَ الأجزاء ، وتُبقي الباقي على استواءٍ ، وهذا الذي ذكرته جارٍ في كل ما ينعقدُ . فصل معقود في الألبان والأدهان والخلول 2963 - والغرض بيان اختلافها وتجانسها ، فنقول : أدقّةُ الحبوب المختلفة الأجناس مختلفة ، بلا خلاف ، واختلف قولُ الشافعي في لحوم الحيواناتِ المختلفة ، فقالَ في قولٍ : هي مختلفة ؛ فإنها أجزاءُ أصولٍ مختلفةٍ ، وقال في قول : هي جنسٌ واحد ؛ لأنها اشتركت في الاسم ، عند ابتداءِ دخولها في الربا ، ولا ننظر إلى اختلاف أصولها ؛ فإنها لم تكن مالَ ربا ، والغرض من اختلاف الجنس واتحاده أمرُ الربا ، وسيأتي القولان في بابه إن شاء اللهُ تعالى .

--> ( 1 ) الفانيذ : نوع من الحلوى ، يعمل من ( القَنْد ) والنشا . والقند : ما يعمل منه السكر ، فالسكر من القند كالسمن من الزبد . ( المصباح ) . ( 2 ) خل ثقيف : شديد الحموضة ، من ثقف الخل اشتدت حموضته ، وصار حرّيفاً لاذعاً فهو ثقيف . ( المعجم ) .