عبد الملك الجويني

70

نهاية المطلب في دراية المذهب

المماثلة حقها أن يعتبر فيها حالُ كمال الشيء ، فالتمر حالةُ كماله جفافه ، فإذا بيع الرطب بالتمر مع التساوي في الحال ، ثم فرض جفاف الرطب ، نقص مقداره عند جفافه عن التمر الذي قابله ، وكأنا تخيّلنا على الجملة أنَّ تعبّدَ الشارع في منع التفاضل يعتمد بشرف الطعام ، فنعتبر التماثل في أشرف الأحوال ، ثم بنى الشافعي على ما مهّدَهُ في ذلك منعَ بيع الرطب بالرطب ؛ فإنهما إذا جفّا ، لم يُدْرَ هل يتماثلان . 2949 - فنقول : بعد تمهيد القاعدة : كل رطب يعتاد تجفيفه لا يجوز بيع بعضه ببعض ، وكذلك القول في العنب . فأما الرطب الذي لا يجفف ولو فُرض تجفيفُه ، لاستحشف وفسد ، فهل يجوز بيع بعضِه ببعضٍ ؟ فيه وجهان : أحدهُما - الجواز ، وهو القياس ؛ لأن هذا النوع كماله في إرطابه ، وليست له حالة منتظرة أكمل من هذه . وقد أجرى بعض أصحابنا لفظ الادّخار في أدراج الكلام ، وهو غير معتمد ؛ فإن اللبن يباع بعضه ببعضٍ ، كما سنذكره ، ولا يتأتى فيه الادخار ، ولكن لما كان ذلك أكملَ أحوالهِ ، روعي كمالُه ، ولم يثبت أيضاً توقيف في النهي عن بيع الرطب بالرطب خصوصاً ، وإنما النهي في بيع الرطب بالتمر . والوجه الثاني أن البيع باطل ، نظراً إلى جنسِ الرطب ، و [ امتناعاً ] ( 1 ) من تتبع التفاصيل في أنواع الجنس ؛ فإن القول في ذلك يطول . ولم يختلف أئمتنا في منع بيع الرطب الذي لا يجفف بالتمر ، وكان القياس يقتضي تجويزَه عند من يجوّز بيعَ الرطب بالرطب ، إذا كان لا يجفف . وما ذكرته مدلول كلام الأئمة ، ولم أجد لهم نصاً في منع بيع التمر بالرطب الذي لا يجفف . 2950 - وأمَّا المشمش والخوخ ، فقد يجري العرف في تشميسهما ، ولكن لا يعم [ عمومَ ] ( 2 ) تجفيف الرطب والعنب ، فذكر الأئمةُ ثلاثة أوجهٍ فيها : أحدُها - أنه لا يجوز بيع الرطب منها بالرطبِ من جنسهِ ؛ إذ له حالة جفاف منتظرة ، فأشبه الرطبَ

--> ( 1 ) في الأصل : وامتناعنا . ( 2 ) مزيدة من : ( ه‍ 2 ) .