عبد الملك الجويني
301
نهاية المطلب في دراية المذهب
قال : فإن قلنا يمين الرد ينزل منزلةَ البينة ، فلا يحلف المشتري في الصورة التي ذكرناها ؛ فإن غرضَهُ لا يتضح في تحليفه إلا بتقدير نكوله مع رد اليمين على البائع المستحلِف ، وإلا فلا فائدةَ في تحليفه ، فعلى هذا لا يحلف ؛ لأنا جعلنا يمين الرد كالبيّنة ، وقد ذكرنا أن بينته لا تسمع ، فلا تحليفَ إذن . وإن قلنا : يمينُ الرد بمنزلةِ إقرار المدعى عليه ، فاليمين معروضةٌ على المدعى عليه ؛ فإن يمين الرد في عقباه كإقرار المدعَى عليه ، ولو أقرّ المدعَى عليه ، لثبت موجَبُ الغلط . وذكر بعض ( 1 ) أصحابنا وجهاً ثالثاً فقال : إن باع بالمائة ، ثم ادعى المائة والخمسين ، وذكر الغلطَ مطلقاً من غير ذكر سبب يقتضي الغلطَ ، فدعواه مردودةٌ والمدعَى عليهِ لا يحلف . وإن ذكر سبباً لا يمتنع وقوعُ مثلهِ ، مثل أن يقول : طالعتُ جريدتي ، فغلطتُ من ثمنِ متاعٍ إلى ثمنِ آخر ، وأخبرني من أثق به ، فعوّلتُ على قوله ، ثم تبينت خطأه ، فما يقوله من هذه الأجناس ممكنٌ . وإن ذكر شيئاً منها ، كان له تحليفَ المشتري ، بخلاف ما إذا أطلقَ ؛ فإن مطلقَ الدعوى مضادٌّ لصيغة البيع . وإذا تَواردا على التضادّ ، لم يُقبل أحدهما . وإذا ذكر عُذراً قَرُبَ قبولُ القولِ . ثم لا خلاف أنا لا نقبل قول المدعي ، بل فائدة ما ذكرناه تمكينُه من تحليف المشتري ، وهذا الفصلُ اختيارُ أبي إسحاقَ المروزي . وذكر صاحب التقريب أن من أصحابنا من قطع القول بجواز تحليفه المشتري إذا ذكر السبب ، وردَّ الوجهين إلى الإطلاق . وهذا الآنَ فيه مزيدُ نظرٍ ؛ فإنا إذا قطعنا القولَ بالتحليف ، لزم أن تُسمع بيّنةُ المدعِي ، فإنّ القطعَ بالتحليف يُثبت يمينَ الردَّ ، ولا تثبتُ يمينُ الرد - مقطوعاً بها من غير خلاف - إلا حيث تُسمع البينةُ . وحيث ذكرنا خلافاً بنيناه على أن يمينَ الرَّدِّ كالبيِّنةِ أم هي كالإقرار . وفيه الخلافُ المقدَّم . وهذا بيّنٌ لمن تأَمَّله .
--> ( 1 ) ساقطة من ( ص ) .