عبد الملك الجويني
171
نهاية المطلب في دراية المذهب
جميعاً على الشجر ، جاز ؛ فإنه قد يكون لهما غرضٌ في استبدالِ الرطبين ، بأن كان يهوى كلُّ واحدٍ منهما النوعَ الذي لصاحبه . وهذا لا يتحقق في الرطب الموضوع على الأرض ؛ فإن الغرض الذي أشار إليه الخبرُ أن يبذل الإنسانُ فاضلَ قوتهِ من التمرِ ، ويستبدل عنه رُطباً على الشجر يأكلُه ، على مرّ الزمن ، شيئاً فشيئاً مع أهله رطباً ، وهذا لا يتحقق في الرطب الموضوع ؛ فإنه بين أن يفسدَ ، وبين أن يجفَّ . 3070 - ومن مسائل الباب أن الخبر الذي رواه زيدُ بنُ ثابت مختصٌّ بالفقراء ، فإنه قال : " جاء طائفةٌ من فقراءِ المهاجرين والأنصار ، وقالوا : إن الرطب يأتينا ، وليس بأيدينا نقد ، ومَعنا فضولُ قوتٍ من التمر " . الحديث . وظاهر المذهب أنَّ صحةَ بيع العَرِيّة لا يختص بالفقراء ؛ فإن إرخاصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرية مطلق في الألفاظ ، وما ذكرهُ زيدٌ حكايةُ حالٍ أداها على وجهِها . وذكر بعضُ أصحابنا قولاً بعيداً أن صحةَ بيعِ العرايا تختص بأصحاب الحاجةِ ، وهذا مذهبُ المزني . وبيع الجاف بالرطب في سائر الثمار بناه الأصحابُ على القولين في أن الخرصَ هل يجري في ثمارِ سائر الأشجار ؟ وفيه اختلافٌ قدّمتُه في كتاب الزكاة . فإن قلنا إنه لا يجري ، فالبيع ممتنع لتحقق الجهالة ، وإن قلنا : يجري الخرصُ فيهَا ، فبيعها باعتبار الخرص يخرج على الخِلافِ المقدم ، في الاتباع وطريق الرأي ، فمن سلكَ الاتباع منعَ البيعَ ، ومن جوَّز الرأيَ سوَّغ هذا . وحق الفقيه أن لا يغفل في تفاصيلِ المسائلِ عما مهدناه في كتاب الزكاة من تفصيل القول في بيع الثمار ، وفيها حقُّ المساكين ، ولا حق فيها . والتنبيه كافٍ . * * *