عبد الملك الجويني
145
نهاية المطلب في دراية المذهب
أو يطلق . قلنا : ظاهرُ اللفظِ هذا ، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلّم في أمرٍ مستندُه العادة ، نزَّل لفظُه على موجَبها ، والعادةُ الجارية أن الإنسان لا يشتري الثمارَ قبل الزَّهو ليقطفها ، وإنما يشتريها لتبقيتها إلى الجداد . هذه العادة . وإن فُرض غيرُ ذلك ، كان خُرْقاً وسفهاً ، فكأنه نهى عن البيع المعتادِ قبل بُدوّ الصلاح . 3035 - ثم ذكر الأئمةُ من طريق المعنى مسلكين في ضبط المذهب : أحدُهما - أن الثمار قبل بُدوّ الصلاح تكون متعرضة للآفات والصواعق ، ومن اشتراها كان معرَّضاً مقصودُه للهلاك ، وفي ألفاظ الشارع ما يدل على هذا المعنى ، إذ رُوي : " أنه صلى الله عليه وسلم ، نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة " ( 1 ) . والمسلك الثاني - أن الثمار قبل بدوّ الصلاحِ ستكبر أجرامها كبراً ظاهراً ، وإنما هي من أجزاء الشجرة ، فلم يجرِ شرطُ التبقية لذلك ، وإذا بدا الصلاح فيها ، فلا تكاد تزداد ازدياداً به مبالاة . والأوجه في ضبط المذهب المعنى الذي قدمناه ، وهو متلقى من الخبر كما ذكرناه . والمعنى الثاني معتضدٌ بأمير مذهبي ، وذلك أن من اشترى أشجاراً عليها ثمارٌ غيرُ مُزهيةٍ ، فالعقد صحيح ، وإن لم يجر شرط القطع ، لما كانت الأشجار مضمومةً في المِلكِ إلى الثمار ، فإذا امتصت الثمارُ شيئاً من رطوبات الأشجار ، فلا بأس ؛ فإنهما جميعاً في ملكِ مالكٍ واحد ، ولو كانت الأشجار ملكاً لزيد ، وكانت الثمار مِلكاً لعمرٍو ، وهي غيرُ مزهيةٍ بعدُ ، فلو باعها عمروٌ من زيدٍ مالكِ الأشجار مُطلقاً ، أو على شرْط التبقية ، ففي صحةِ البيع وجهان : أحدهما - أن البيع يصح ، كما لو جمع بين الثمار والشجر في العقد ، ومعناه ما ذكرناه من اتحاد المالكِ في الأصل والفرع . ومن منع قال : سبب تصحيح العقد الوارد على الثمر والشجر أن الأصلَ الشجرُ ، والثمارُ معها تابعةٌ لها ، فلا يضرّ تعرض [ المبيع للتَّوى ] ( 2 ) ، فكأنَّ أحدَ القائلَيْن يلتفت
--> ( 1 ) حديث : " . . . حتى تنجو من العاهة " ، هذا اللفظ عند مسلم في البيوع ، باب النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ، ح 1534 عن جابر مرفوعاً ، " تذهب عنه الآفة " وعن ابن عمر لما سئل ما صلاحه ، قال : تذهب عاهته . ( 2 ) في النسختين : " البيع للنوى " . والتوى : الهلاك : تَوِي المال يتوَى : ذهب ؛ فلم يُرْج ، =