عبد الملك الجويني

146

نهاية المطلب في دراية المذهب

على التعرض للعاهة ويحتمل ذلك في العقدِ الذي يكون الثمر يتعاقبه . والقائل الثاني يعتبر الاجتناب من امتصاص الثمار رطوبةَ أشجار الغير . وأما أبو حنيفة ( 1 ) ، فإن مذهبَه مجانبٌ لمذهَبنا ، وهو أخذ فيه مسلكاً آخر ، فحقُّ العقد عنده إذا أفردت الثمار بالبيع ، أن تُفرَّغ الأشَجار منها . مزهيةً كانت الثمار ، أو غيرَ مزهيةٍ . ورأى تبقيةَ الثمارِ إدامةً لِشغل ملك الغَيرِ . وأجاب بعضُ الأصحاب عن هذا الطريق بأن قالوا : ليس للأشجار منفعةٌ تفوتُ بتبقية الثمارِ عليها ، وإن كان يقدَّر ازديادُ الثمار من أجزاء الأشجار ، فذلك قليلٌ بعد بدوّ الصلاح . وهذا المعنى غيرُ سديدٍ ، وهو مشعر بتكليف التفريغ إذا كانت المنافع المُعتبرةُ تتعطل ، وليس الأمر كذلك عندنا ؛ فإن من ابتاع شجرةً مطلقاً لم يكلف قلْعَها ، وفي إدامتِها شُغلُ منافعَ معتبرةٍ . ولكن كانت العادةُ التبقيةَ ، وليس في التبقية تعريضٌ للتلف ، فاحتمل ذلك ، وجرى بقاءُ الشجرة حقاً مستحقاً تابعاً لملك الشجرة . وليس هذا من قبيل الإعارة ، ولا يسوغ لبائع الشجرة أن يقلعها على شرط أن يغرَمَ ( 2 ) ما يَنقُصُه القلعُ ، والسبب فيه أن التبقيةَ مستحقةٌ بعقدِ الشراء ، وحقوقُ الشراءِ ، لا تَبطُل على أربابها ، وكذلك إذا اشترى بناءً مطلقاً ، استحق تبقيتَه إلى غيرِ آخِرٍ ، لما قرَّرناه . 3036 - ومن هذا الأصل اختلف قول الشافعي في أن من اشترى شجرةً مطلقاً ، وملك بالشراء أغصَانها وعُروقَها ، فهل يَملكُ مَغْرِسَها من الأرضِ ؟ والأصَحُّ أنه لا يملكه ؛ فإن اسمَ الشجرةِ لا يتناول شيئاً من الأرض . وفي المسألةِ قول آخر : أنه يملكُه ؛ فإنه يستحق تبقيةَ الشجر لا إلى نهايةٍ ، فلْيُقضَ بملكه لمغرسها ، وإلا ، فلا نظير لهذا النوع من الاستحقاق .

--> = والإنسانُ : هلك . ( معجم ) . ( 1 ) ر . مختصر اختلاف العلماء للطحاوي : 3 / 117 مسألة رقم 1197 ، 1198 ، البدائع : 5 / 173 . ( 2 ) في ( ه‍ 2 ) : ألا يغرَم .