عبد الملك الجويني

143

نهاية المطلب في دراية المذهب

وكلّ ما يتَّضح فيهِ اطرادُ العادة ، فهو المحكَّم ، ومضمرُه كالمذكور صريحاً ، وكل ما تتعارض الظنونُ بعضَ التعارضِ في حكم العادة فيه ، فهو مثارُ الخلافِ وسبَبُه . وألحق القفالُ بما ذكرناه أمراً آخر ، فقال : إذا عم في الناس اعتقادُ إباحةِ منافعِ الرهن للمرتهن ، فاطراد العادة فيه بمثابة شرطِ عقدٍ في عقد ، ويلزم منه الحكمُ بفساد الرهن ، وقد يجري ذلك في أغراضٍ في القروض ، لو ذكرت لفسَدَت القروض بها . والقفال يجعل اطرادَ العرفِ بمثابةِ الشرطِ ، ولم يُساعده كثيرٌ من أصحابنا ، وقالوا : الرهنُ يصحُّ إذا لم يُشرط فيه شيء ، وكذلك ما في معناه . وسنذكر الضبطَ في محل الخلاف والوِفاق - إن شاء اللهُ تعالى - وكان شيخي يقولُ : لو كان في بقعَةٍ من البقاعِ المعدودة من الصرودِ ( 1 ) كرومٌ ، فكانت الثمار لا تنتهي إلى الحلاوة ، وعم فيها العُرف بقطع الحِصْرِم ، فإطلاق البيع محمول على العُرف في القطع ، وهو نازلٌ منزلةَ البيع بشرط القطع ، فالتعويل في أصل المذهب على العادة . وأنا أقول : لا شك أن حمل المطلقِ من البيع في الثمار التي لم يَبدُ الصلاحُ فيها على المقيّد بشرط التبقيةِ مأخوذٌ من العُرفِ . والوجه في هذا عندنا أن يقال : كل ما يتعلق بتوابعِ العقودِ من التسليمِ ، والقطعِ ، والتبقيةِ ، وكيفيةِ إجراء البهيمة المكراةِ ، والمقدارِ الذي تَطوي في كل يوم ، فهذه التوابع منزَّلةٌ على العرفِ ، كما ذكرناه . ومن جملته حملُ الدراهم المطلقة على النقد الغالب ، وهذا في اعتياد يعم ، ولا يختصّ بتواطُؤِ أقوام . 3032 - فأما العادة التي تُتلقَّى من تواطؤ أقوامٍ على الخصوص ، كشرط الإباحَةِ في الرهن ، وشرائطَ معروفةٍ فاسدة في القُروضِ ، فهذا محمول على اصطلاحِ أقوام ،

--> ( 1 ) الصرود : الصَّرْدُ شدة البرد ، والجمع صرود ( المعجم ) . وواضحٌ من السياق أن المعنى : إذا كانت كروم العنب في بقعةٍ معدودة من المناطق ( الصرود ) أي الباردة ، فالعنب لا يتم نضجه بسبب البرد ، فجرى العرف بقطعه وهو ( حِصْرِم ) أي حامض .