عبد الملك الجويني

99

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومحله ، فلابد من التعرض للبيان . وهذا بمثابة الشهادة القائمة على [ جروحِ ] ( 1 ) الشهود الذين ظاهرهم العدالة ، فإنا لا نقبلها مُطلقة ؛ لمكان اختلاف العلماء فيما يُوجب الجرح ، وينفي العدالة ؛ فقد يرى الشاهد الجرحَ بما لا يراه القاضي . وكذلك المذاهبُ تختلف فيما يقع الإكراه به ، وهو على الجملة مُشكل الضّبط في محل الوفاق ، لا يستقل بتقريب القول منه إلا الغواصون . 4453 - فإن قيل : قبلتم الإقرار المطلق من الشاهد ، ولم تقبلوا الشهادة المطلقة على الإكراه ، فإذا شرطتم تفصيل الإكراه ، فاشترطوا تفصيل الإقرار . قلنا : لنا متمسكٌ لا بأس به لمن يشترط تفصيل الإقرارِ ، ثم الفرق أن الإقرار لا يذكره الشاهد إلا لتقوم به الحجة ، والإكراه لفظٌ ملتبس ، والفرقُ ليس باليسير . وقد قال كثير من أصحابِ أبي حنيفة : الشهادة على الإكراهِ المطلق مقبولة . وهكذا مذهبهم في الجرح أيضاً . ولو لم يُقِم المشهودُ عليه بينةً على الإكراهِ ، ولكن أقام بينة على أمارتهِ ، استفاد بثبوتها ظهورَ صدقه ، حتى يكتفى بيمينه . ولو قال المشهود عليه : كنت صبياً إذ لفظتُ بالإقرارِ ، والشهادة على الإقرار مُطلقة . وما قال محتملٌ ، فقوله مقبول مع يمينه ، كما لو ادعى الجنون ، وقد عهد منه ، كما سبق . ولو أقام المشهودُ عليه بينة على الإكراه المفصَّلِ الموجبِ لرد الشهادة ، وقد تقيدت الشهادة على الإقرار بكونه طائعاً ، فقد ذهب أصحاب أبي حنيفة ( 2 ) إلى تقديم البينة في الإكراه . وكان شيخنا أبو محمد يحكي في ذلك خلافاً على وجهٍ سنصفه ، فنقول : الظاهر تقديمُ البينة في الإكراه ؛ لأنها تستند إلى علمٍ في الخفايا ، ورب مهدَّدٍ متوعد في السر يبدي الطوعَ في تصرفه ، وتستند شهادة الشاهد على الطواعية إلى ظاهر حاله ، والمطلِعُ على سر الأخبار يعلم ما لم يُحط به الشاهد على الاختيار . وهذا ظاهر .

--> ( 1 ) في الأصل : خروج . ( 2 ) ر . اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى : 44 .