عبد الملك الجويني
526
نهاية المطلب في دراية المذهب
وشغلُ ذمة الغاصب في هذا القدر المظنون لا وجه له ، فإنا وإن كنا نغلظ على الغصاب ، فلا نُلزم ذممهم إلا على بصيرة وتثبّتٍ ( 1 ) . وإذا اختلف المالك والغاصب في مقدار القيمة ، فالقول قول الغاصب ، وكذلك المشتري من المقارَض - في مسألتنا - لو اختار ربُّ المال تغريمَه ، لغرّمه مائةً كاملة . وإذا كان كذلك ، فلا يبقى للتردد في حق المقارَض والوكيل وجه ؛ فإنه قد باع بيعاً فاسداً ، وكان في اعتدائه كالمغتصب ، فلا خروج لهذا القول في حقه . 4955 - فإن قيل : قد ينتج مما ذكرتموه فنٌّ من الإشكال : فإن كان ما يتغابن الناس بمثله محطوطاً عن الوكيل ، وسببه أن القيمة مظنونةٌ ، فيجب على مساق هذا أن لا تُشغلَ ذمةُ ضامنٍ بذلك المقدار . وإن كان ذلك معدوداً من القيمة ، فالتسامح به لا وجه له ، وحق الوكيل أن يبيع بثمن المثل ، وكذلك المقارَض ، فما وجه التلفيق في هذا ؟ قلنا : هذا مقامٌ يتعيّن التثبتُ فيه . والأصل الذي يجب تأسيسُه أن القيمة التامة هي المتبع في الغرامات ، وأبواب الضمان ، وإنما التوقف في اعتبارها في قطع السرقة ، على ما رمزنا إليه ، وأحلنا استقصاءه على موضعه . فإن قيل : القيمة مظنونةٌ . قلنا : لتكن كذلك ؛ فإن معظم متمسكات الفقه ظنون ، فلا محاشاة ( 2 ) من هذا ، فارتد النظر إذاً إلى بيع الوكيل بأقلَّ من المائة ، ولا مساغ لهذا إلا من جهة الأخذ من العرف ؛ فإنا لو رددنا الأمرَ إلى صيغة الأمر بالبيع ، فاسمُ البيع ينطلق على البيع بالغبن ، وإنما لم ينفذ بيع الوكيل بالغبن ، لأن أهلَ العرف لا يرون الأمرَ بالبيع متناولاً لهذا ، والعرف هو المقيِّد للأمر المطلق ، فإذا رأينا أهل العرف يتغابنون بالمقدار النَّزْر ، فقد زال التقيد العرفي ، ولزم تصحيح العقد بحكم الأمر بالبيع . هذا مَخْرجُ الكلام في هذا . ويجب على حسب ذلك تزييف القول المحكي في الحط عن الوكيل البائع بالغبن ؛ فإنا إذا أبطلنا تصرّفَه وألحقناه بالمعتدين ، لم يبق للحط وجهٌ ، وأي فقهٍ في قول
--> ( 1 ) انتهى هنا قول القائل المقدّر . ( 2 ) ( ي ) ، ( ه 3 ) : يتحاشى .