عبد الملك الجويني

455

نهاية المطلب في دراية المذهب

فلو ذكر للمقارض أجراً معلوماً ، لم يكن ما جاء به قراضاً ، ولا إجارةً صحيحة ؛ فإن شرط الاستئجار إعلامُ العمل ، والعملُ في معاملة القراض لا ينضبط ، ومحاولة تقديره يخالف مقصود العقد . كما أن طلب تأقيت النكاح يخالف موضوعَه ، والإعلام حيث يشترط لا يُعنَى لعينه ، وإنما يُطلب منه نفيُ الجهالة على وجه يليق بمقصود العقد . ولو قال المالك : قارضتك على أن لي النصف من الربح ، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إليه ، أو قال : على أن لك النصف من الربح ، ولم يتعرض لإضافة النصف الآخر إلى نفسه . أما إذا أضاف إلى نفسه جزءاً ، فظاهر ما نقله المزني أن ذلك غير صحيح ؛ فإن الأصل أن الربح بكماله لمن الملك له في رأس المال ، وإنما يثبت للمقارض جزءٌ منه ، بأن ينسب إليه ولم يَجْر لنسبة جزءٍ إلى العامل ذكرٌ . وذكر ابن سُريج قولاً مخرّجاً أن القراض يصح ، ويقع الاكتفاء بإضافة جزءٍ إلى المالك ؛ فإن هذا مع جريان المعاملة صريحٌ في إضافة الباقي إلى العامل من طريق الفحوى ، والمعاني هي المقصودة ، لا صيغُ الألفاظ . هذا إذا أضاف إلى نفسه وسكت عن الإضافة إلى العامل ، فأما إذا أضاف جزءاً من الربح إلى العامل ، وسكت عن إضافة الباقي إلى نفسه فالذي قطع به الأئمة الحكمُ بصحة القراض ، بخلاف الصورة المتقدمة ؛ فإن المعاملة تقتضي ذكر عوضها والمعوّض من الربح ما يسمى للعامل ، وما عداه لا يثبت للمالك بحكم الشرط . وإنما يثبت له بحكم ملك الأصل ، فإذا اشتملت المعاملة على ذكر عوضها ، يكفي ذلك في الحكم بتصحيحها ، وليس كالصورة الأولى . وذكر العراقيون وجهاً عن بعض الأصحاب أن العقد لا يصح حتى تجري الإضافة في الجزأين إلى الجانبين . ونظموا من تخصيص الإضافة بأحد الجانبين ثلاثةَ أوجه : أحدها - الصحة . والثاني - الفساد . والثالث - الفصل بين أن تقع الإضافة إلى العامل وبين أن تقع الإضافة إلى المالك . وليس لما ذكروه من الخلاف في الإضافة إلى العامل وجهٌ . 4869 - ولو قال : قارضتك على أن لك الربحَ كلَّه ، فلا يصح القراض على هذا الوجه ؛ فإن هذه المعاملةَ إنما جوّزت لارتفاق ملاك الأموال بأعمال الذين لهم كَيْسٌ