عبد الملك الجويني

445

نهاية المطلب في دراية المذهب

وكذلك لو دفع إليه ألفاً ليشتري به السِّمسمَ ويعصرَه ويبيعَه ، لم يصح القراض كذلك . 4856 - ثم أجرى الأصحاب في ذلك كلاماً نأتي به ، ونذكر ما فيه . فقالوا : لو أورد القراض على النقد ، ورأى العامل أن يشتري به حِنطةً ، فلا امتناع فيما يفعل ، فلو اشتراها ، وطحنها ، فقد قال القاضي : يخرج ذلك الدقيق عن كونه مالَ القراض ، ولو لم يكن في يده غيرُه ، لانفسخ القراض ؛ فإنه بعمله أخرجه عن جنسه وصفته ، ولو باعه ، لم يقع بيعُه للدقيق على وجه بيع العامل للسلع التي يُتربص بها ويُبغى ارتفاعُ أثمانها ، فإذا كان ما يُفرض من فائدةٍ لا يحال على البيع والشراء ، وإنما يحال على التغيير الذي وقع بفعلٍ ، لو شرط في القراض ، لأفسده ، فخرج ذلك المالُ بذلك الفعل عن المقصود المرعي في [ معاملة ] ( 1 ) القراض ، فإذا اختبط الأمرُ فيه ، وأمكن حمل فائدةٍ - إن كانت - على التجارة وعلى التغيير الذي أحدثه ، فلا وجه إلا الحكمُ بارتفاع المعاملة . هذا ما ذكره القاضي ، وطوائف من المحققين . وقال بانياً عليه : إذا أقر ربُّ المال العاملَ بطحن حنطةِ القراض ، صار بذلك فاسخاً للعقد ؛ لأن الحنطة تخرج بالطحن عن المعنى الذي نبهنا عليه ، وينقسم النظر في الفوائد ، فيجوز أن تُحمل على التجارة ، ويجوز أن تُحمل على التغيير الواقع . وهذا متجه حسن ، وفي القلب مثه شيء إذا لم يقع الطحن شرطاً في المعاملة ، ولا يبعد عن وجه الرأي الحكمُ بأن ما يتفق ( 2 ) من هذه التغييرات لا يوجب انفساخ المعاملة ؛ فإنا لا نعرف خلافاً أن من اشترى عبداً صغيراً فكبر ، وشب ، وباعه يافعاً ، وكان اشتراه رضيعاً ، فما يُفرض من فائدةٍ تحمل على التغيير الذي لحق المملوكَ ، ثم لا يؤثر ذلك وفاقاً ، ولا يجب القضاء بأن المملوك إذا تغيّر ، خرج عن كونه مال قراض ، فكذلك إذا جرى الطحن من غير شرط . ويجوز أن يقال : التربص لا بد منه في التجارة ، وهو يؤدي إلى تغايير تلحق الحيوان ، فكان هذا في معنى الضرورة التي لا يتأتى دفعها ، وليس كذلك التغيير الذي يلحق بفعل ينشأ . هذا ما أردنا التنبيه عليه .

--> ( 1 ) في الأصل : مقابلة . ( 2 ) ( ي ) ( ه‍ 3 ) : يقع . والمعنى يتفق وقوعه من غير شرط ، ومن غير تجريد القصد إليه وحده .