عبد الملك الجويني

446

نهاية المطلب في دراية المذهب

4857 - ومما يتصل بهذا الركن أنه لو كان له ألفُ درهمٍ على إنسان ، فقال لآخر : قارضتك على مالي على فلان ، فاقبضْه ، وتصرفْ ، فلا يصح القراض باتفاق الأصحاب على هذا الوجه ؛ لأن النقد لم يكن عتيداً حالةَ العقد ، واحتاج العامل إلى تحصيله ، وتحصيلهُ ليس من أعمال التجارة . وقد ذكرنا أنه لا يجوز ضمُّ عملٍ إلى عمل التجارة في معاملة القراض . ولا يصفو هذا حتى نبيّن معه أمراً آخر ، فنقول : إذا أحضر ربُّ المالِ المالَ ، وقال : إذا جاء رأسُ الشهر ، فقد قارضتك على هذا المال ، فالمعاملةُ فاسدةٌ ، باتفاق الأصحاب ، وإن كنا قد نجوّز تعليق الوكالة ؛ فإن القراض ليس وكالة محضة ، ولكنها معاملةٌ ضمنُها معاوضة ، وقد احتمل الشرع فيها جهاتٍ من الجهالات على حسب الحاجات ، فلا تحتمل ما لا حاجة إليه ، والتعليقُ [ منه ] ( 1 ) . ولو قال : قارضتك الآن على هذه الدراهم ، ولكن افتتح التصرفَ بعد شهر ، ففي صحة القراض وجهان ذكرهما القاضي : أحدهما - المنع ؛ لأن حاصل هذا يؤول إلى تعليق القراض أيضاً إذا ( 2 ) كان لا ينتجز تسلُّط العامل على العمل في الحال . فإذا ثبت هذا الذي ذكرناه ، عُدنا إلى ما كنّا فيه من قوله : عاملتك على مالي على فلان ، فاستوفِهْ ، وتصرف ، فهذه المعاملة ناجزةٌ ، ولكن التصرف موقوف على الاستيفاء والقبض ، فالمعاملة فاسدة ، لم يختلف الأصحاب في فسادها ، وإن اختلفوا فيه إذا كان النقد حاضراً ، فقال : قارضتك الآن عليه ، وتصرف بعد شهر ، والسبب فيه أن معتمد القراض نقدٌ حاضر ، والدَّيْن في الذمة ، وإن كان مملوكاً ، فهو أبعد عن إمكان التصرف من العروض . 4858 - ولو كان لرجل على رجلٍ ألفُ درهم ، فقال مستحق الدين لمن عليه الدين : قارضتك على ما لي عليك ، فانقده ، وتصرف ، فلا تصح هذه المعاملة ؛ فإنا إذا كنا نمنع صحتها ، والدَّيْنُ على الغير ، فلأن نمنع صحتَها في هذه الصورة أولى ،

--> ( 1 ) منه : أي مما لا حاجة إليه . وفي الأصل : فيه . ( 2 ) في النسخ الثلاث : " إذا " ، وهي هنا بمعنى ( إذْ ) ، وهو استعمالٌ سائغ كما أشرنا إلى ذلك من قبل ، ومثلها ( إذ ) مكان ( إذا ) فهو سائغ أيضاً .