عبد الملك الجويني

442

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإن قيل : ما المانع من إيراد المعاملة على الدراهم المغشوشة ؟ قلنا : أما البيع بها إشارةً إليها أو إطلاقاً لذكرها ، فقد فصَّلنا المذهبَ فيه في كتاب البيع ، وفرقنا بين أن يكون مقدار النُّقرة مجهولاً ، وبين أن يكون معلوماً . فأما تفصيل القول فيها في القراض ، فنقول : لا يمتنع بيع الدراهم المغشوشة إذا انضبط مقدارُ العيار ، ولا يقع الاكتفاء بهذا في القراض ؛ فإن مقدار النُّقرة ، وإن كان مضبوطاً ، فالنحاس المضمومُ إليه سلعةٌ ، وإيرادُ القراض عليه بمثابة إيراده على نقدٍ وسلعة ، وذلك ممتنع ، فالوجه منعُ إيراد القراض على المغشوش . قال القاضي : أبعد بعضُ أصحابنا ، فجوز إيرادَ القراض على المغشوش إذا جرى نقداً ؛ فإن المعنى المتبعَ ما ذكرناه من كون النقد وسيلةً إلى أغراض التجارات ، فإذا جرى المغشوشُ ، وعم جريانُه ، تحقق ذلك . ولم يسمح أحد من الأصحاب بإيراد القراض على الفلوس . وإن عمّ جريانُها في بعض الأقطار ، وكذلك القول في الغِطْرِيفية ( 1 ) فيما وراء النهر ، والسبب فيه أن الفلوس لا يعم جريانها في البلاد الكبيرة ، وإنما يتواطأ عليها أهل ناحيةٍ ، ثم تكون عرضةً للكساد ، ولو كسدت وركدت أسواقها ، لتفاوتت تفاوتاً عظيماً . والذي جوزه الأصحاب في الدراهم المغشوشة فيه إذا كانت قيمتُها قريبةً من مبلغ النقرة ، وقيمة النحاس ، ومؤن الطبّاعين . وأمثال هذه الدراهم لو فرض في جريانها ركودٌ ، لقلّ المقدار الذي يفرض فواتُه ، وإن كانت الدراهم المغشوشة جاريةً على مبلغٍ من القيمة لا يدنو مما فيه من النقرة ، والغش ، ومؤن العَمَلة ، فهي على التحقيق جاريةٌ جريان الفلوس ، فلا جواز لإيراد القراض عليها . على أن من جوّز إيراد القراض على الدراهم المغشوشة فهم الأقلون من المتأخرين ، والمذهب المبتوت ما قدمناه .

--> ( 1 ) الغِطْرِيفيّة : أي الدراهم الغطريفية ، منسوبة إلى غِطْرِيف أمير خراسان أيام الرشيد ، وقد كانت من أعزّ النقود ببخارى ، وواضح من السياق أنها كانت مغشوشة لا يجوز القراض فيها ، وهذا ما قاله ياقوت ، فقد ذكر أنها كانت " من حديد وصُفر وآنُك وغير ذلك من جواهر مختلفة ، وقد ركبت فلا تجوز هذه الدراهم إلا في بخارى ونواحيها وحدها " ( ر . معجم البلدان : مادة بخارى ، المبسوط للسرخسي : 2 / 194 ، التعريفات الفقهية للمفتي محمد عميم الإحسان البركتي - ضمن مجموع بعنوان : قواعد الفقه : ص 401 ) .