عبد الملك الجويني
408
نهاية المطلب في دراية المذهب
مُطالب بتمام الثمن ، وإن ألحقنا حطَّ البعض بالعقد ، وجعلنا كان الثمن المسمى ما بقي بعد الحط ، فحط الجميع يُفسد العقد لا محالة ؛ من حيث يتضمن تعريتَه عن الثمن ، غنَيْنا بالفساد أن البيع لا يثبت . ووراء ذلك نظرٌ آخر ، وهو أن الرجل إذا قال لإنسان : بعت منك عبدي هذا بلا ثمن ، فلا شك أن ما أجراه ليس بيعاً ، ولكنه هبةٌ مملِّكةٌ صحيحة ، أم ليست هبةً ؟ في ذلك وجهان ذكرهما القاضي وغيره : أحدهما - أنه هبة ؛ لإشعار اللفظ بالتمليك ، مع التنصيص على نفي العوض ، وهذا معنى الهبة . والثاني - أنه ليس هبةً ؛ فإن البيع في وضعه صريح في اقتضاء العوض ، فإذا قرن بنفي العوض : كان جمعاً بين النقيضين . والعقود الصحيحة لا تنتظم من العبارات الفاسدة . وعبر المحققون عن الوجهين بأن الاعتبار بمعنى اللفظ ومقصود اللافظ ، أو بصيغة اللفظ ، فإن اعتبرنا مقصود اللافظ ، اقتضى ذلك تصحيحَ الهبة ، وإن اعتبرنا صيغة اللفظ ، فهي فاسدة ، ومعتمد العقود الألفاظ . التفريع على الوجهين : 4813 - إن حكمنا بصحة الهبة ، لم يخفَ حكمُها ، وافتقارُها إلى القبض ، وإن لم نصحح من هذا اللفظِ هبةً ، فلا شك ، أن ما يقبضه ملكُ البائع ، ولكن اختلف أصحابنا في أنه أمانة في يده ، أو مضمون : فمنهم من قال : هو مضمون ؛ لأنه مقبوض عن بيع فاسدٍ . ومنهم من قال : هو أمانة ؛ لأن علائق الضمان نتيجة ما في العقد الفاسد من اقتضاء العوض ، وإن كان على الفساد ، وإذا قال بعتك بلا ثمنٍ ، فليس فيما جاء به ما يتضمن عُهدة ، ولا عُلقة ، من طريق العوض . وعن هذا قال الأصحاب : إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق على زق خمر ، فقبلت ، بانت ، وعليها مهر المثل . ولو قال : أنت طالق على الريح ، وقع الطلاق رجعياً ، ولم يقبض عوضاً . هذا حقيقة القول في ذلك . فإذا فرض الحط في الجميع ، وألحقنا ذلك بالعقد ، وأخرجناه عن كونه بيعاً ، انتظم بعد ذلك تبيُّناً ما لو قال ابتداءً : بعت منك هذا بلا ثمن .