عبد الملك الجويني

249

نهاية المطلب في دراية المذهب

لمالك الثوب ، وقد غصبه مع الثوب ، وإما أن يكون لأجنبي ، وقد كان غصبه منه . فأمّا إذا كان الصِّبغ ملكَ الغاصب ، فيتصور الثوب والصِّبغ على صور ، ونحن نأتي عليها ، ونذكر في كل صورة ما يليق بها . ونقول : قد يزداد الثوب بسبب الصبغ ، وقد ينقص ، وقد يبقى على القيمة الأولى : من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ . فإن لم يزدد ، ولم ينتقص ، وتصويره أن قيمة الثوب لو كانت عشرة ، وقيمة الصبغ عشرة ، وكان الثوب بعد الصبغ يساوي عشرين ، فهذا هو الذي عنيناه . فالثوبُ على قيمته ، والصبغ على قيمته . والقول في ذلك ينقسم ، فلا يخلو : إمَّا أن يكون الصبغ معقوداً لا يتأتى فصله ، وإمّا أن يكون غير معقود ، وكان فصله ممكناً . فإن كان الصبغ معقوداً ، فالثوب المصبوغ مشترك بين مالك الثوب والغاصب ، وليس ذلك كالقِصارة وما في معناها ؛ فإن الصبغ عينٌ قائمة ؛ فلا سبيل إلى إحباطها ، وإبطالِ ملك مالكها فيها ، ولا وجه لتمييز الصبغ عن الثوب ؛ فإنا فرضنا الكلام في الصبغ المعقود ، الذي لا يتميز ( 1 ) . ثم لا يملك صاحبُ الثوب إجبارَ الغاصب على البيع ، والغاصب لا يُجبر صاحبَ الثوب على البيع ، فإن اتفقا على البيع وباعا الثوب المصبوغَ بما يساوي ، وهو عشرون ، فالثمن مقسوم بينهما ، وإن وجدا زبوناً ، واشترى الثوب بثلاثين ، فالمبلغ مقسوم نصفين بينهما . وإنّما لم يُجبر أحدُهما على مساعدة صاحبه في البيع ؛ تنزيلاً للثوب مع الصبغ منزلةَ ملكٍ مشترك بين شريكين ، لا يقبل القسمة ؛ فإن واحداً منهما لا يُجبر صاحبه على البيع ، وإن كانت القسمة متعذرة ، فلكل واحدٍ من الشريكين أن يبيع حصته من الملك المشترك . وهل يملك كلُّ واحدٍ من صاحب الثوب والصبغ أن يبيع ملكه على حياله ؟ القياس أنه يملك اعتباراً بالملك المشترك بين شريكين الذي لا يقبل القسمة . ويجوز أن يقال : لا ينفذ البيع ؛ فإنه لا يتأتى الانتفاع بالثوب وحده ، ولا بالصبغ . والبيعُ فيما يعسر الانتفاع به قد يفسد . والملك المشترك يفرض التوصل إلى الانتفاع به بالمهايأة . وهذا الذي ذكرناه يشبه بيعَ دارٍ لا ممر لها ، وقد ذكرنا في صحة بيعها خلافاً .

--> ( 1 ) لا يتميز : أي لا ينفصل من الثوب .