عبد الملك الجويني

241

نهاية المطلب في دراية المذهب

أنكر وجودَ عضو ، ولا يمتنع ( 1 ) أن يقال : الأصل عدمها ( 2 ) ، وينضم إلى ذلك أن الأصل براءة ذمته عن المقدار الزائد المدعى عليه . وإن اعترف الغاصب بأن العبد كان كامل الخلقة ، وادعى طريان العمى والقطع قبل الغصب ، وزعم أن يده صادفته معيباً بالعيب الذي وصفه ، ففي المسألة قولان : أحدهما - أن القول قول المالك ؛ فإن الأصل دوام سلامة العبد عما ادعى الغاصب طريانَه عليه من قطعٍ ، أو عمى . والقول الثاني - أن القول قول الغاصب ؛ فإن الأصل براءةُ ذمته عن المزيد المتنازع فيه ، وهذا يلتحق بالأصل الذي يسميه الفقهاء : " تقابل الأصلين " . وذكر بعض أصحابنا أن الغاصب لو ادعى عيباً خِلْقياً ، كما قدمنا وصفه ، وكان ذلك العيب يفرض نادراً ، في آحادٍ من الناس ، كما ذكرناه من ادعائه كونَه أَكْمهَ ، أو عديمَ اليد ، ففيه خلاف ؛ من جهة ادعائه نادراً ، فقد يغلب على الظن كذبُه فيه ، ومحاولتُه الغضَّ مما يلزمه من القيمة ، والأصلُ ( 3 ) في الناس السلامة ، وعليه ابتنى ثبوتُ حق الرد بالعيب ؛ فإن المشتري يبني العقدَ المطلقَ على معهود السلامة ، فينزل ذلك منزلةَ شرط السلامة . ثم هذه الطبقة من الأصحاب ذكروا أوجهاً : أحدها - أن المصدَّقَ المالكُ ، بناء على السلامة . والثاني - أن المصدَّقَ الغاصبُ ، لما سبق تمهيده قبلُ . والثالث - أنه يفصل بين العيوب النادرة ، وبين ما لا يندر . وكل هذا خبطٌ ، لا أعده من المذهب ( 4 ) . والذي يجب القطع به ، أن الغاصب إذا لم يعترف بأصل السلامة ، فهو مصدَّق مع يمينه في ادعاء انعدام عضو أو صفةٍ في أصل الخلقة ، وإنما محل الخلاف فيه إذا اعترف بأصل السلامة ، ثم ادّعى طريان آفة ، كما بيناه .

--> ( 1 ) ( ت 2 ) : يمكن . ( 2 ) الضمير يعود على اليد ، وليس الآفة ، فالإمام يقطع بهذا ، ولا يرى في المسألة غيرَه . ( 3 ) ( ت 2 ) : فإن الأصل . ( 4 ) ما رآه الإمام ( خبطاً ) هو ما استقر عليه المذهب ، يشهد بذلك قول النووي : " فلو قال : كان أكْمهَ أو وُلد أعرج ، أو عديم اليد ، فالمصدّق الغاصبُ على [ الوجه ] الصحيح ؛ لأن الأصل العدم ، ويمكن للمالك البينة ، والثاني - يصدّق المالك نظراً إلى غلبة السلامة ، والثالث - يفرق بين ما يندر من العيوب وغيره " ( ر . الروضة : 5 / 28 ، 29 ) .