عبد الملك الجويني
242
نهاية المطلب في دراية المذهب
4622 - ومما يلتحق بذلك أن المالك لو ادّعى أن العبد المغصوب الفائت كان يحسن صناعةً من الصناعات ، وأنكرها الغاصب ، فالذي قطع به المراوزة أن القول قول الغاصب ؛ فإن الأصل براءة ذمته ، والأصل عدم الصناعة التي يدعيها المالك . وذكر العراقيون وجهاً غريباً : أن القول قولُ المالكِ ، ووجهوه عندهم بأن صفات العبيد قد لا يطلع عليها إلا السَّادة ، ويعسر إثباتها من غير تصديقهم ، فلو لم نصدقهم ، لأدّى إلى تعطيل كثير من الصفات في محل النزاع . ونحن قد نصدق في إثبات شيء والأصل عدمُه إنساناً ، إذ ( 1 ) كان لا يتلقى ثبوته إلا من جهته ، ومنه تصديقنا المرأةَ في الحيض ، إذا كان الزوج علّق طلاقَها على أن تحيض ، وإن كان الأصل بقاءَ النكاح وعدمَ الطلاق . وهذا تخليط غيرُ معدودٍ من المذهب ، والوجه القطع ببناء الأمر على عدم الصناعات ، وعلى من يدّعيها البيّنة . هذا في اختلاف الغاصب والمغصوب منه في صفةِ المغصوب . 4623 - فأما إذا وقع الاختلاف في مبلغ قيمة العبد مطلقاً ، من غير تعرض لصفاته ، فإذا قال المالك : كانت قيمة العبد ألفين ، وقال الغاصب : كانت ألفاً ، فالقول قول الغاصب مع يمينه ، لا خلاف فيه ؛ بناء على ما قدمناه من براءة ذمته عن المزيد المدَّعى . ولو ادعى المالك بقاء العين المغصوبة في يد الغاصب ، وادعى الغاصب تلفَها ، والتزم ضمانَ قيمتها ، فقد اختلف الأصحاب في ذلك ، فالذي ذهب إليه المحققون ، وهو اختيار القفال ، فيما حكاه شيخي عنه أن القول قولُ الغاصب ، فإنا لو لم نصدقه مع يمينه ، لأوجب ذلك تضييقاً عليه ، لا نجد عنه مخرجاً ، وقد يخلّد حبسه فيه ، والتلف يجري بحيث لا يشعر به غيرُ الغاصب ، سيما في الجواهر والأعيان الخفية . ومن أصحابنا من اكتفى بظاهر الحال ، وقال : الأصل بقاء العين حتى تقوم البينة على تلفها . وهذا القائل يحلِّف المالك ، والصحيح ما اختاره القفال ، والثاني مزيف .
--> ( 1 ) كذا في النسختين : " إذا " وهو صواب ؛ فوضع ( إذْ ) مكان ( إذا ) سائغ كعكسه . ( ر . شواهد التوضيح لمشكلات الجامع الصحيح : 62 ) .