عبد الملك الجويني
236
نهاية المطلب في دراية المذهب
اشتراط التعرض للإبراء عن ضمان العدوان ، حتى تخرّجَ المسألة على الخلاف . وهذا عندي زلل ، فليس ألية الإبراء . [ فإن ] ( 1 ) كان الرضا بالدوام قاطعاً سبب الضمان ، نازلاً منزلة الإذن في الابتداء ، فذاك . وإن كان الرضا بالدوام لا يتضمن انقطاع سبب العدوان ، فالإبراء عن الضمان لا معنى له ؛ فإن الضمان قد يجب بسبب تردي من ليس من مالك الأرض بسبب ، والإبراء عن حق الغير قبل ثبوته محال تخيله ؛ فإنه بعد الثبوت لا ينفذ ، فما الظن بتصحيح مطلَقه ( 2 ) قبل الوقوع . وهذه المسألة لا تصفو عن شوائب الفكر إلا بذكر تمام الغرض فيه ، فنقول : مهما قلنا : يكبس الغاصب ، ويطم ، فحق عليه أن يطم ؛ فإن هذا إزالةُ سبب العدوان ، ولا أثر فيه على هذا الوجه للرضا ، ولا خِيرةَ في إزالة سبب العدوان . وإن بعد نظر الفقيه عن هذا ، فسببه ضعفُ هذا الوجه ؛ فإن الظاهر أن دوام الرضا من المالك ينزل منزلة الابتداء . 4616 - ونحن نستتم الآن تفصيل القول في ذلك بذكر مقدمة مقصودة في الفصل ، ثم نعود بعدها إلى إكمال البيان ، فنقول : لو نقل الغاصب مقداراً من التراب ، من الأرض المغصوبة ، من غير فرض احتفارٍ ، فالتراب مملوك . وإذا كان متشابه الأجزاء ، فهو من ذوات الأمثال ، فإن بقي عينه ، فللمغصوب منه تكليفُه ردَّ عينه إلى المكان الذي أخذ منه . ولو قال للغاصب الناقل : رضيت بأن تتركه ، ولا تعيدَه ، نظر : فإن كان الغاصب نقله إلى ملك نفسه ، أو نقله إلى ملك غيره متعدياً ، أو نقله إلى شارع المسلمين وضيق به على الطارقين ، وقد يكون نصبه منضَّداً في الشارع سبباً لضمان من يتعثر به ، ففي هذه المواضع ينقل التراب إلى الأرض المغصوبة ؛ فإن له أغراضاً صحيحة في النقل ، فإنه بين أن يفرّغ ملك نفسه ، وبين أن يفرغ الشارع ، أو يفرغ ملك غيره ، وقد كان اعتدى بالنقل إليه .
--> ( 1 ) في الأصل : وإن . ( 2 ) أي مطلق الإبراء .