عبد الملك الجويني

235

نهاية المطلب في دراية المذهب

4615 - ثم وصل الشافعي بتصوير غصب العقار ذكْرَ تصرفاتٍ من الغاصب ونحن نستوعبها ونأتي عليها واحداً واحداً ، إن شاء الله تعالى . فلو غصب الرّجُل أرضاً ، واحتفر فيها بئراً ، فهو معتدٍ بحفر البئر ، ولو تردّى فيها متردٍ ، وجب عليه الضّمان ، كما لو احتفر بئراً في مضيقٍ من الشارع . فإذا ثبت ذلك ، ابتنى عليه ، أنه يجب عليه طمُّ البئر وكبسُها ( 1 ) ، ليخرج عن هذا الضرب من العدوان ، فإذا استرد المغصوب منه الأرضَ ، وأمر بكبس البئر ، فقد تأكد ما ذكرناه من وجوب ذلك ، وكان واجباً دون أمره ؛ لعلةِ الخروج عن العدوان . وهو الآن واجب لعلتين : إحداهما - ما ذكرناه . والأخرى امتثال أمر المالك ، على ما سنوضح في سياق الفصل تحقيقَ الفقه فيه . ولو قال المالك : أمنعك من الكبس ، لم يكن له ذلك ؛ فإن في منعه إدامةُ سبب العدوان ، وبقاءُ التعرض للضمان . ولو قال : رضيت بالبئر ، فاتركها ، فهل له أن يطمّ مع الرضا ؟ فعلى وجهين مشهورين ، ترجع حقيقتهما إلى أن رضا المالك بإدامة البئر هل تنزل منزلة رضاه بحفر البئر ابتداءً ؟ ولا شك أن المالك لو رضي بحفر بئر في ملكه ، وأذن فيه ، أو أمر به ، فلو تردّى متردٍّ فيها ، لم يضمن المالكُ ، ولا الذي تولى حفره . وهذا ( 2 ) مختلف فيه : فإن قضينا بأن الرضا بالدوام كالإذن ابتداءً بالحفر ، فقد يمنع الغاصِب من الكبس . وإن قلنا : لا يكون الرضا بالدوام بمثابة الإذن بالحفر ابتداء ، حتى لو قدر تردي متردٍّ ، وجب الضمان ، فعلى هذا يطم الغاصب البئر قطعاً لسبب العدوان ، وخروجاً عن الضمان . وهذه الصورة التي ذكرنا الخلاف فيها تمتاز عما قدمناه عليه من أن المالك لو منعه من الطمّ ، لم يمتنع ؛ فإن ذلك فيه إذا لم يتعرض للإذن ، واحتفر على المنع . فأما إذا صرح بالرضا ، فهو صورة الخلاف . وذكر كثير من أئمتنا في الإذن الذي ذكرناه تقييداً ، نحن نورده ، فقالوا : لو رضي بالدوام ، وأبرأه عن ضمان من يتردّى ، ففي المسألة الوجهان . وذهب ذاهبون إلى

--> ( 1 ) في هامش ( ت 2 ) : الكبس : طمُّ الحفيرة بالتراب . ( 2 ) أي حكم الضمان .