عبد الملك الجويني
214
نهاية المطلب في دراية المذهب
المغصوب في يد المشتري بآفة ، وغرِم أرش النقص للمغصوب منه ، نظر : فإن عاب بفعل المشتري فإذا غرم أرشه ، استقر الضّمان عليه ، ولم يرجع به على الغاصب . وقياس ذلك بيّن ؛ فإنّ العين إذا كانت مضمونة عليه ، فالأجزاء بمثابتها ، فإذا كان يستقر الضمان في قيمة العين لو تلفت ، فيستقر في النقصان اعتباراً للأجزاء بالجملة ، وهذا ظاهرٌ في العيب الذي يحدثه المشتري . فأما إذا حدث العيب بآفة سماوية ، فقد قال الشافعي : إذا غرِم المشتري نقْصه ، رجع به على البائع . قال المزني : هذا خلاف أصله ، لأنه قد قال : لو تلفت الجملة ، فغرِم قيمتها ، لم يرجع بها على الغاصب ، والأجزاء حكمها حكم الجملة . وقد وافق المزني طوائفُ من الأصحاب . وإذا تصرف المزني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجاً ، كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره . فاتسق إذاً قولان : أحدهما - منصوص . والثاني - مخرّج ، ووجه المخرّج لائح ، كما ذكره المزني . قال ابن سُريج : إن قلنا : يستقر الضّمان ولا يرجع ، فالوجه ما ذكره المزني . وإن قلنا : يرجع ولا يستقر الضمان ، وهو ظاهر النص ، فوجهه أن العاقد يدخل في العقد على أنه يضمن الجملة دون الأجزاء ؛ يدل عليه أنَّ المبيع إذا عاب في يد البائع ، فليس للمشتري أن يغرّمه أرشَ العيب ، بل له الخيار بين الفسخ وبين الرضا بالعيب ، من غير استرداد شيء . وكذلك لو باع رجل عبداً بثوب وأقبض العبدَ ، وقبض الثوب ، ثم اطلع على عيبٍ قديم بالثوب ، والعبد قد عاب في يد من قبضه ، فليس لصاحبِ الثوب أن يرد الثوب بالعيب ويسترد العبد ، ويطلب أرش العيب الحادث ، بل له الخيار بين أن يفسخ العقد بالعيب ويرضى به معيباً . وبين أن يرد الثوب ويرجع بقيمة العبد - هكذا نقله من يوثق به عن القاضي . وليس الأمر كذلك عندنا ، بل الوجه أن يرد الثوب ، ويستردَّ العبد مع أرش النقص ؛ فإن العبد في هذا المقام ليس مضموناً بالثمن ، إنما هو مضمون بالقيمة . ومعنى هذا الكلام أن العبد لو كان تالفاً ، فصاحبُ الثوب يرد قيمة العبد . وإذ كان