عبد الملك الجويني
193
نهاية المطلب في دراية المذهب
ظهور العفن إلى سقوط قيمة الحنطة بالكلية ، وهذا ترك لفحوى كلام الشافعي وإضرابٌ عن نصه ؛ فإن قوله : " يتخير المغصوب منه ، فإن شاء وإن شاء " - ناصٌّ على أن المالية قد بقيت منها بقية . ومن أصحابنا من أقر نص الشافعي قراره ، وذكر قولاً آخر معه ، ووجه القول الثاني لائح ، كما ذكرناه ، ووجه النص عسر ، والممكن فيه أن أرش العفن الساري لا يمكن ضبطه ، ولا يمكن إلحاق الحنطة التي ظهر العفن فيها بالتالف بالكلية . فينتظم من ذلك تخير المالك بين أن يكفي نفسه مؤونة الاطلاع على الأرش ، وبين أن يسترد عين ماله . وهذا تكلف ؛ فإن الحنطة العفنة إنما تكون على بقية من المالية إذا كان يتأتى استعمالها على حالٍ ، وما كان كذلك ينبغي أن يجعل كطعام رطبٍ ، قابل للتغايير على قرب الزمان ، فليكن صاحبه أولى به على ما هو عليه ، وليتعيّن مسلك الاسترداد . وقد ذكر العراقيون في مسألة العفونة قولين للشافعي : أحدهما - أن المالك يغرّمه المثل ليس له غيرُ ذلك . والثاني - أنه يأخذ عينَ حنطته ، كما وجدها ، ويرجع عليه بأرش النقصان . وأما القول الثاني ، فهو الجواب الثاني الذي حكيناه . وأما القول الأول ، فهو مخالف للجوابين اللذين حكيناهما ، وذلك أنهم قالوا : نغزمه المثلَ ، ونحسبه تالفاً ، ولم يثبتوا خِيرةً أصلاً . وهذا بعيد في النهاية ، موافق لمذهب أبي حنيفة ، فإذا أثبتنا الخيارَ أشارَ إثباتُه ( 1 ) إلى تعلق حق المالك بالعين إن أرادها . وإذا كان الخِيرةُ إلى المالك ، وكان ترك الحنطة العفنة مصلحةً له يراها ، كان تحكمه على الغاصب لائقاً بالحال ، كما قررناه على حسب الإمكان . فهذا منتهى القول في ذلك . 4568 - ثم ألحق الأئمة بالحنطة العفنة السارية العفونة ما لو غصب دقيقاً ، وحلاوة ، وسمناً ، واتخذ منها حلاوة ؛ فإن هذه الأجناس إذا جمعت ، وأقيمت أركاناً لحلاوةٍ أمعن تأثير النار فيها ، فالحلاوة المجموعة صائرة إلى الفساد ، لو لم يبتدر استعمالها . فهذا ما ذكره الأصحاب في ذلك .
--> ( 1 ) ( ت 2 ) : غير مقروءة ، صورتها هكذا : ل - اتهِ .