عبد الملك الجويني

170

نهاية المطلب في دراية المذهب

ضمان الغَصبِ ، والمودَع لو استعمل الثوبَ الموضوع عنده على تقدير أنه ثوبه المملوك ، ضمنه ضمان الغصب ، ؛ فلا حاجة في تصوير الغصب إلى ذكر العدوان . ولو حال بين المالك وبين ملكه ، وكان ذلك سببَ ضياع ملكه ، لم يلزمه الضمان . مثل إن كان رجل يسوق بهيمة له ، فمنعه ظالم من اتباعها ، وحبسه ، فضاعت البهيمة ، لم يلزمه الضمان . ولو أمر إنساناً بالغصب ، فالغاصب ذلك المأمور - إذا استولى - دون الآمر ولو دلّ الظلمة والسرّاقَ على أموال خفيةٍ عنهم كانوا لا يهتدون إليها دون دَلالةِ مَنْ دلهم ، فلا ضمان على الدال . فتبين أن الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حقٍ . فإن قيل : إذا صادف رجل عيناً مغصوبة في يد غاصبها ، فانتزعها من يده ليردها على مالكها فما ترون في ذلك ؟ قُلنا : فيه اختلافٌ مشهور بين الأصحاب ، ذهب بعضهم إلى أنه لا يضمن ؛ لأنه محتسب ، وذهب آخرون إلى أنه يضمن ؛ لأنه ليس له ولاية وتسليط على إزالة أيدي الغصاب ، والتعرض لأمثال ذلك من شأن الولاة ، ثم جواز الأخذ مبني على الضمان ، فمن ضمَّنه ، لم يُجِز له أن يأخذ ، ومن لم يضمّنه سوّغ له أن يأخذ . والملتقط مثبت يدَه على مال الغير ، ولكنه متسلط شرعاً على أخذه ، كما سيأتي تفسير [ اللقطة ] ( 1 ) في كتابها ، إن شاء الله تعالى . وقد نص الشافعي على أن من صادف عين مال المسلم في يد حربي ، فله أن ينتزعه ، ولو تلف في يده ، لم يضمن ، فقال الأئمة : ما نص عليه مقطوع به ، وليس على الخلاف الذي ذكرناه في إزالة يد الغاصب . والسبب فيه أن الحربي ليست يده يدَ ضمان ، فالأخذ منه ليس مترتباً على يد ضامنةٍ ، وليس كذلك الأخذ من الغصّاب . ثم إن الشافعي ذكر في صدر الكتاب جملاً من أحكام الجنايات ، فاعترض المعترضون ، وقالوا : كان الترتيب يقتضي أن يذكر صدراً من أحكام الغصب في أول الكتاب ، فقيل لهم : الغصب سبب من أسباب الضمان ، وليس هو في نفسه مضمناً ، فأراد الشافعي أن يستفتح الكتاب بأحكام الجنايات والإتلافات ، ثم رتب عليها اليدَ

--> ( 1 ) في الأصل : اللفظ .