عبد الملك الجويني

147

نهاية المطلب في دراية المذهب

للشافعي : أحدهما - أنه يستحق أقلَّ الأمرين من أجرة المثل ، والأجرة المسمّاة ، كما ذكرناه ؛ وذلك أن إثبات ما يدعيه بيمينه المعروضة عليه ابتداءً بعيدٌ جداً ، ولكنه ذكر الإجارة لينتظم كلامه ، من حيث كان معترفاً بأصل الإذن ، فلا يستفيد إذاً بذكر الإجارة إلا نظمَ الكلام ، وتعليلُ الأقل ما قدمناه من مؤاخذته بالإقرار إذا كانت الأجرة المسماة أقل . والقول الثاني - أنه يستحق الأجرة المسماة ؛ فإنه إذا أُحوج في يمينه إلى ذكر الإجارة ، وقد ذكرها بصفتها ، فيثبت له العوض الذي سمّاه . وهذا وإن كان بدعاً في قياس الخصومات ، فسببه أنّ الواقعة في نفسها بدْعٌ ، كما نبهنا عليه ؛ إذ قلنا : الإذن متفق عليه ، فلا يأتي ضمان المنافع من استقلال بانتفاعٍ ، وإنما يأتي من إذنٍ مقرون بالعوض ، وحق المالك لا يُحبَط ، فعسُر الأمر ، وتركَّبت المسألة من أصلين متعارضين ، كما نبهنا عليه . 4510 - ومما يتعلق بتحقيق هذا الفصل : أنا إذا أثبتنا للمالك المسمى ، فلا بد من ذكر الأجرة المسماة لا شك فيه ، وإن قلنا إنه يستحق أقل الأمرين ، فالظاهر عندنا أنه يكفيه ذكر الإجارة ، لينبه بذكرها على الطريق ؛ فإنّه إذا كان لا يستحق عوضاً ( 1 ) ، فلا حاجة إلى ذكر العوض ، وهذا محتمل جداً . والعلم عند الله . 4511 - ولو عرضنا اليمين على المالك ، فنكل ، فقد قال العراقيون : لا ترد اليمين على الرّاكب ؛ فإنه لا يدعي إلا الإعارة ، ولا حق على المستعير ، ووضع يمين الرد أن يثبت للمردود عليه حقاً ، وليس الأمر كذلك في هذه الصُّورة ، فالحقُّ إذاً للمالك ، فإن أثبتها باليمين ، فذاك . وإن تركها ، فلا معترض عليه . وهذا الذي [ ذكروه ] ( 2 ) حسنٌ فقيه . ولكنه خارج عن قياس المذهب ، مفضٍ إلى القضاء بالنكول ، وإنما وقعت المسألة شاذّة ، لأنها بصورتها مخالفة لصور الخصومات ، فإنّا أقمنا المدّعي في منصب المدّعى عليه ، لفقهٍ حمل على هذا ، ودعا إليه ، والخصم الراكب ليس يدعي لنفسه مالاً ، فيحلف على ماذا ؟ وفي كلام القاضي رمز ظاهرٌ إلى أن اليمين ترد على الراكب ، وفائدتها الخلاص من

--> ( 1 ) ( ت 2 ) : عوضها . ( 2 ) في الأصل ، ( ت 2 ) : " ذكره " .