عبد الملك الجويني

77

نهاية المطلب في دراية المذهب

باب ( 1 ) الاعتكاف وليلة القدر 2357 - صدّر الشافعي كتابَ الاعتكاف بالقول في ليلة القدر ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلتمسها في العشر الأواخر ، ويعتكف فيها ليلاً ، ونهاراً . واختلف العلماءُ : هل كانت ليلة القدر في الأمم ؟ والمختار عندنا أنها مختصة بهذه الأمة ؛ لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذكر رجلاً من بني إسرائيل لبس لأْمَتَه ( 2 ) ، وقاتل في سبيل الله ألف شهر ، لا ينزِعها ( 3 ) ، فاستعظمت الصحابة ، [ ذلك ] ( 4 ) وتمنَّوْا أن يكون لهم مثلُ هذا العمر ، وهذه القوة ؛ فأنزل الله سبحانه وتعالى : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [ القدر : 1 ] إلى قوله تعالى : { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } [ القدر : 3 ] ، فدل هذا على تخصيص هذه الأمة [ بها ] ( 5 ) . 2358 - ثم اختلف الناس في وقتها : فذهب بعضُهم إلى أنها في السنة ، وعندنا أنها في الشهر ، ومذهب أبي حنيفة ( 6 ) أنها في الشهر ، لا يختص بها عشر ، وذهب الشافعي إلى أنها في العشر الأخير ، وميله إلى أنها ليلةُ الحادي والعشرين ، وفيه الحديث الصحيح ، وهو ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أريت هذه الليلةَ ، فخرجت لأخبركم ، فتلاحا فلانٌ وفلان ، فأُنسيتها ، ولعله خيرٌ لكم ، ورأيتني أسجد في صبيحتها إلى ماءٍ وطين " قال راوي الحديث ، أبو سعيد الخدري :

--> ( 1 ) في ( ط ) : كتاب . ( 2 ) لأْمَته ، بفتح فسكون : أداة الحرب كلُّها : من رمحٍ ، وبيضة ، ومِغْفَرة ، وسيف ، ودرع . ( المعجم ) . ( 3 ) ينزِع : من باب ضرب . ( 4 ) مزيدة من ( ط ) . ( 5 ) زيادة من المحقق ؛ رعاية للسياق والسباق . ( 6 ) ر . فتح القدير : 3 / 389 .