عبد الملك الجويني
54
نهاية المطلب في دراية المذهب
وأصل [ الفصل ] ( 1 ) أن من أفطر عاصياً عامداً ، فالشرع يُلزمه الإمساكَ عن المفطرات في بقية النهار . وهذا يختص بأيام رمضان ، فليس على العاصي بالفطر في صوم القضاء ، والنذر إمساكٌ . ثم الأمر ( 2 ) بالإمساك مشبه بالتغليظ ، وطرفٌ من العقوبة ، ومضادّةُ القصد ، ثم الممسك متشبه ، وليس في عبادة ، وليس كالمحرم إذا أفسد إحرامه ؛ فإنه بعد الفساد في عبادةٍ فاسدة . ويظهر أثر ذلك بأن المفسد للإحرام لو ارتكب محظوراً في إحرامه بعد الفساد ، التزم الفدية ، والمأمور بالإمساك لا يلتزم بالإقدام على المفطر شيئاً ، وإنما يناله المأثم بتركه الأمرَ الجازم ، وارتكابه النهي ( 3 ) المحرم . وقد ذكر العراقيون وجهين في أن الإمساك المأمور به بعد الإفساد هل يسمى صوماً ؟ ولست أرى في الاختلاف فائدة . ويقرب من ذلك أن من أصبح في يومٍ من رمضانَ غيرَ ناوٍ ، فلا نجعله صائماً ، ويلزمه الإمساك ، فلو نوى التطوع بالصوم ، وكان ذلك قبل الزوال ، فالذي ذهب إليه الجماهير أن الصومَ لا يصح ، وذهب أبو إسحاق إلى صحة الصوم ، ووجه الرد عليه ينقسم : فيجوز أن يقال : إن كان الإمساك واجب ، ومن نعت التطوع التخير ، فلو صح تطوّعه بالصوم ، والصوم إمساك منوي ، لوقع الإمساك واجباً عن جهة الوجوب ، متطوَّعاً به عن جهة التطوع ، وهذا متناقض . فهذا وجه . والمسافر عندنا لا يتطوع بالصوم في سفره ، وإن كان يسوغ له الإفطار ، فليس الصوم مستحَقاً عليه ، والتطوع ممتنع ، [ وسببه أن الذي ] ( 4 ) حط عنه وجوبَ الصوم الترخيصُ بالفطر ، فإن لم يُفطر ، فقد ( 5 ) ترك الترخص ، وليس بين إقامة ( 6 ) الصوم
--> ( 1 ) في الأصل ، ( ك ) : الفطر . ( 2 ) في ( ط ) ثم الإمساك . ( 3 ) في ( ك ) : المنهي . ( 4 ) في الأصل ، ( ك ) : وشبه الذي . ( 5 ) في ( ط ) وقد . ( 6 ) في ( ط ) الإقامة .