عبد الملك الجويني

39

نهاية المطلب في دراية المذهب

والثاني - لا يجب القضاء مع الكفارة ؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بالقضاء ، لما أمره بالكفارة . والوجه الثالث - أن التكفير إن كان بالإعتاق أو الإطعام ، وجب القضاء ، وإن كان التكفير بالصيام ، لم يجب القضاء والأصح وجوب القضاء ( 1 ) . فإن قيل : أليس روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي : " اقضيا يوماً مكانه " ؟ ( 2 ) قلنا : هذا لم يصححه أهل الحديث .

--> ( 1 ) الوجه المعتمد في المذهب هو وجوب القضاء كما اختار الإمام ( ر . المجموع : 6 / 331 ) حيث قال النووي : " الأصح وجوب القضاء " . هذا ، وقد استدل النووي بقصة الأعرابي من رواية أبي هريرة رضي الله عنه . وهي في الصحيحين بدون " صم يوماً " وهذا اللفظ عند أبي داود " قال : كُلْه أنت وأهلُ بيتك ، وصم يوماً ، واستغفر الله " قال النووي : وإسناد رواية أبي داود جيد إلا أن فيه رجلاً ضعفه ، وقد روى له مسلم في صحيحه ، ولم يضعف أبو داود هذه الرواية . ( 2 ) سياقة إمام الحرمين لهذا الجزء من الحديث بهذه الصورة ، ثم ردّه والحكم عليه بعدم الصحة ، قد يشكل في السياق ، حيث يوحي بأن المعترض يقول بوجوب القضاء ، مستدلاً بالحديث ، وإمام الحرمين لا يقول بالوجوب ، ويردّ استدلاله . ولكن عند التأمل ندرك أن المعترض الذي يستشهد بهذا الجزء من الحديث ، لا يعترض على اختيار الوجه القائل بالوجوب ، وجعله الأصح ، وإنما يعترض على جعل المسألة على ثلاثة أوجه ، فكأن إمام الحرمين يقول : لو صح هذا من الحديث ، لما كان هناك أوجه ، وإنما كان مبتوتاً بوجوب القضاء . وقد تكرر كثيراً في هذا الكتاب قول الإمام : لو صح هذا الحديث ، لما قال قائل بخلافه ؛ فمذهب الإمام هو الحديث ، واصطلاح الخراسانيين أنهم إذا قالوا : " مذهب أهل الحديث " ، فهم يعنون مذهب الشافعي . هذا ، وزيادة " اقضيا يوماً مكانه " رواها أبو داوود ، وابن ماجة ، والدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة . ورواها أحمد في المسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ورويت مرسلة عن سعيد بن المسيب ، ونافع بن جبير ، ومحمد بن كعب القُرظي . ( ر . أبو داود : الصوم ، باب كفارة من أتى أهله في رمضان ، ح 2393 ، ابن ماجة : الصيام ، باب ما جاء في كفارة من أفطر يوماً من رمضان ، ح 1671 ، الدارقطني : 2 / 190 - 191 ، البيهقي 4 / 226 ، 227 . انظر كلام الحافظ على الزيادة في التلخيص : 4 / 90 - 93 ) .