عبد الملك الجويني
307
نهاية المطلب في دراية المذهب
2657 - ثم الحلق للرجال أفضل ، والأصل فيه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بالتحلل ، عامَ الحديبية ، وتَوانَوا في التحلل والحِلاق ، وأمرهم ثانية وثالثة ، فلم يفعلوا ، فدخل على أم سلمة ، فقال : أما تَرَيْن قومك ، أمرتهم بالتحلل ، فلم يفعلوا ! ! فقالت : اخرج ، ولا تُحدث أمراً ، حتى تدعوَ بحالقك ، فيحلقَ شعرك ، وبجازرك فينحرَ هديك ، فخرج ، وفعل ، فابتدر الناس إلى الحِلاق ، والنحر ، حتى كادوا يقتتلون ، فمنهم من حلق ، ومنهم من قصر " ( 1 ) . وقيل ما أشارت امرأة بالصواب ، إلا أم سلمة في هذا الأمر . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رحم الله المحلقين " . قيل : يا رسول الله ، والمقصرين . قال : " رحم الله المحلقين " . قيل : يا رسول الله ، والمقصرين ، قال : رحم الله المحلّقين ، قيل : يا رسول الله ، والمقصرين . قال : والمقصرين " ( 2 ) . 2658 - ثم قال الأئمة : إذا ثبت أن الحلق أفضل ، فلو نذر الحلقَ في أوانه ، لزمه الوفاء بالنذر ، ولم يُغن التقصير ، فحكموا بأنه يلتزمه بعينه بالنذر ، وقد نص الشافعي عليه أيضاً . ولو لبّد المحرم رأسه ، وعقصه ، فهذا لا يفعله إلا العازم على الحلق ، فهل ينزل هذا منزلةَ نذر الحلق ؟ فعلى قولين . ونظير ذلك في المناسك التقليدُ والإشعار ؛ فإن القول اختلف في أنه هل ينزل ذلك منزلة قول القائل : جعلت هذا ضحية ؟ ومما يداني ذلك أن من رأى بهيمةً مذبوحة مشعَرة ، قد غُمِس مَنْسِمها ( 3 ) في دمها ، وضُرب به
--> ( 1 ) حديث مشورة أم سلمة يوم الحديبية رواه البخاري من حديث المِسْوَر بن مَخْرَمةَ ، ومروان بن الحكم الطويل في قصة الحديبية ( الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب ، ح 2731 ، 2732 ) . ( 2 ) حديث رحم الله المحلقين : متفق عليه من حديث ابن عمر : البخاري : الحج ، باب الحلق ، ح 1727 ، ومسلم : الحج ، باب تفضيل الحلق ، ح 1302 ، ومن حديث أبي هريرة ، نفس الموضع عند البخاري ومسلم ، ورواه مسلم من حديث أم حصين ، في الموضع نفسه ، وأحمد عن أبي سعيد ، المسند : 3 / 20 ، 89 ، وانظر التلخيص : 2 / 499 ح 1062 . ( 3 ) المَنسم : بفتح الميم وكسر السين . طرف خف البعير .