عبد الملك الجويني
30
نهاية المطلب في دراية المذهب
فمن ( 1 ) استقاء عامداً ، لم يخلُ من ثلاثة أحوال ، إما أن يزدرد قصداً شيئاً مما ردَّه ، فلا شك في الإفطار ، إذا كان كذلك . 2298 - والحالة الثانية أن يستقيء قصداً ، ثم يتحفظ ، ويعلم أنه لم يرجع شيء إلى جوفه ، فإن كان كذلك ، ففي الإفطار وجهان : أحدهما - لا يفطر ؛ فإن الفطر في هذا القبيل مما يدخل ، لا مما يخرج ، وإخراج شيء من هذا المسلك يضاهي إخراجَه من السبيلين . والوجه الثاني - أنه يفطر لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " من استقاء عامداً أفطر " ، ولم يفصّل بين أن يرجع شيء أو لا يرجع . والحالة الثالثة - أن يستقيء ويتحفظ جهده ، فيغلبه الأمر ويرجع ( 2 ) شيء إلى حلقه . فإن قضينا بأنه يُفطر إذا استقاء ، ولم يرجع شيء ، فلا شك أنا نحكم بالإفطار هاهنا . وإن حكمنا بأنه لا يفطر إذا استقاء ، ولم يرجع شيء ، فهاهنا إذا رجع شيء من غير قصد في الازدراد ، خرج المذهب على ما أشرنا إليه في وصول الواصل عند المبالغة . فإن قيل : الغالب أنه لا يرجع شيء إذا استقاء [ المرء ] ( 3 ) فالرجوع نادر . قلنا : ليس كذلك ، فإنه يمتزج منه بالريق ما يمتزج ، ثم يتفق الازدراد ، ولعل سبب النهي عن الاستقاء هذا . فالحكم بالإفطار عند بعض الأصحاب محمول على أن الاستقاء لا يخلو من رجوع شيء . فإن قيل : الماء المستعمل بالمضمضة يمتزج بالريق أيضاً ، فهلا عددتم نفسَ المضمضة من غير مبالغة من الأسباب التي توصل الشيء إلى الجوف ؟ قلنا : الكلام على هذا من وجهين : أحدهما - أن الريق في طباعه لا يمازج الماء ، ويمتاز عنه بغلظ ولزوجهَ ، والذي يمج الماء من فيه لا يجد للماء أثراً إلا البرد ، والذي تردّه الطبيعة
--> = النسائي في الكبرى : ح 3123 ، الدارقطني : 2 / 181 ، البيهقي : 4 / 220 ، الحاكم : 1 / 426 ، التلخيص : 2 / 364 ح 885 ) . ( 1 ) ( ط ) ومن . ( 2 ) في ( ط ) : فغلبه الأمر ورجع . ( 3 ) ساقطة من الأصل .