عبد الملك الجويني

198

نهاية المطلب في دراية المذهب

فإني لم أقله رأياً واستنباطاً ، وإنما نقلته من فحوى كلام الأئمة . والذي يوضح ذلك أن الشافعي لما نص في القديم على تخصيص المتمتع بصيام أيام التشريق ، عد ذلك رُخصةً في حقه ، ولو كان الصيام مقضياً ، لما كان لذلك معنَى ؛ فإن أيام القضاء لا نهاية لها . هذا تمام ما أردناه في أداء صيام الأيام الثلاثة ، المقيدة في نص القرآن بالحج . 2506 - فأما صومُ الأيام السبعة ، فإنه مقيد في القرآن بالرجوع ، قال عز من قائل : { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } [ البقرة : 196 ] . وقد اختلف العلماء في معنى الرجوع ، ونحن نذكر ما جرى من تلك المذاهب : قولاً لصاحب المذهب ، أو وجهاً لبعض أئمة المذهب . قال الشافعي في قولٍ : " الرجوع هو الفراغ من الحج " . وقال في قولٍ : " الرجوع هو الرجوع إلى الوطن " ، وفي بعض التصانيف قول ثالث : " إنه الرجوع إلى مكة " ، وهذا لا أصل له في مذهب الشافعي . وهو قولُ بعض السلف . فإن قلنا : الرجوعُ معناه الفراغ من الحج ، فلا شك أنه لو أوقع صيامَ السبعة مع الثلاثة في صلب الحج ، في اتساع المدة ، لم يُعتد بالسبعة ؛ فإنها مقدَّمةٌ على وقتها ، ولا يجوز تقديمُ العبادة البدنية على وقتها . وكان يقول شيخي : إذا قلنا : أيامُ التشريق تقبلُ كلّ صوم ، فلو أوقع فيها ثلاثةَ أيامٍ من السبعة ، والتفريع على أن الرجوع هو الفراغ ، فلا يجزئه صومُه ؛ فإن العاكفَ بمنى ، وإن لم يكن في حج ، فهو في أشغال الحج . ولذلك لا يصح منه الإحرام بالعمرة ، ما دام عاكفاً على مناسك مِنى . وإذا قلنا : الرجوع معناه الوصول إلى الوطن ، فلو فرغ من الحج ، واستقبل صوبَ الوطن ، فأراد أن يصومَ الأيامَ السبعة ، في طريقه ، فقد ذكر الصيدلاني وجهين في ذلك : أحدهما - أنه لا يجزئه ؛ فإن صيام السبعة مقيَّدٌ بالرجوع مؤَقَّتٌ به . والثاني - يجوز ؛ فإن إمهاله الوصولَ إلى الوطن رخصةٌ ، والتأقيتُ الحقيقي بالفراغ من الحج . وهذا الوجه عندي هو بعينه تفسير الرجوع بالفراغ ، ولكن يرجع الخلاف إلى