عبد الملك الجويني

18

نهاية المطلب في دراية المذهب

تاريخ السبت ، وأكملوا العدة ، فإن قلنا : لكل بقعة حكمُها ، فيجب على هذا المسافر المنتقل أن يتابع أهلَ هذه البقعة ، ويصومَ أحداً وثلاثين يوماً ؛ فإنه صار من أهل هذه البقعة في آخر الشهر . ولا يخفى على الفقيه أن الحكم لا يختلف في ذلك بقصد الإقامة والسفر . وإن قلنا : حكم الهلال إذا ثبت في موضعٍ عم جميعَ البلاد ، فأهل البلدة الثانية متعبدون بحكم ذلك الهلال ، إن ثبت عندهم . فإن قيل : [ التفريع على هذا الوجه الأخير متجهٌ ، لا شك فيه ، والتفريع على الأول ] ( 1 ) [ هل يتطرق ] ( 2 ) إليه احتمال ؛ من جهة أنه التزم حكمَ البقعة الأولى ، فينبغي أن يستمر ذلك الحكمُ عليه . قلنا : الاحتمال قائم ، ولكن ما ذكرناه في التفريع قطع به الأصحاب ، لأثرٍ وَرَدَ ، اتخذوه متبوعَهم ، وهو ما روي أن كُرَيْباً ( 3 ) مولى ابن عباس ، قال : " بعثتني أم الفضل بنتُ الحارث إلى الشام في حاجة عرضت لها عند معاوية ، فرأى الناسُ الهلالَ ليلةَ الجمعة ، فصاموا ، وصمتُ ، فرجعت إلى المدينة ، فسألني ابنُ عباس متى رأيت الهلال ؟ فقلت : ليلة الجمعة ، فقال : أما نحن فرأيناه ليلة السبت ، فلا نزال نصوم ، حتى نرى الهلال ، أو نستكمل العدة ثلاثين ، فقلت : أوما يكفيك رؤية أمير المؤمنين والناس ؟ قال : لا . هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره ابنُ عباس أن لا يفطر ، ويقتدي بأهل المدينة " ( 4 ) . هكذا وجدته في بعض التصانيف ، فهذا ما بلغنا في ذلك . والمذهب نقلٌ . وقال شيخي أبو محمد : من رأى هلال شوال ، وأصبح معيّداً ، وجرت به السفينة ، فانتهى إلى بلدة على حدّ البعد ، وما كانوا رأَوْا الهلالَ ، وصادفهم صائمين ، يلزمه أن يمسك عن المفطرات ، إذا أثبتنا لكل بقعة حكمَها ، وهذا فيه نظر

--> ( 1 ) ساقط من الأصل . ( 2 ) في الأصل : يحتمل أن يتطرق . ( 3 ) كريب : تصغير كرب . ( 4 ) حديث كريب رواه مسلم وأبو داود والترمذي ( مسلم : الصيام ، باب اختلاف أهل الآفاق في الرؤية ، ح 2111 ، أبو داود : الصيام ، باب إذا رؤي الهلال في بلد قبل الآخرين بليلة ، ح 2332 ، الترمذي : الصوم ، باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم ، ح 693 ) .