عبد الملك الجويني

129

نهاية المطلب في دراية المذهب

[ أن ] ( 1 ) رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لما ذكر الزاد والراحلة ، أراد بما ذكره ألا يُجَشّم الناسَ المشيَ ، لما فيه من المشقة . وهذا لا سبيل إلى إنكاره ، ولكن لا استقلال ( 2 ) بتقريره في [ مسالك ] ( 3 ) الأقيسة ، وإن تخيلناه على الجملة . ونظائر ذلك كثيرة . ولسنا لها الآن . ويغلب في هذا الفن البناءُ على قاعدة الحسم ( 4 ) ؛ فإن المشي على الجملة ظاهرُ الضرار ، ولا التفات إلى ما يندر ويشذ ، بخلاف ضرر الركوب . قال الأئمة : الزاد نفقةُ السفر في الذهاب ، والإياب ، فأهبة الذاهب ، وأهبة المنقلِب زادُه ، ولفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم مطلق في ذكر الزاد ، فإن كان للرجل أهل ، شرطنا في الاستطاعة نفقةَ الذهاب ، والإياب . وأهلُ الرجل : زوجةُ الرجل وأولادُه . قال الصيدلاني : الأقارب من الأهل ، المحارمُ منهم وغيرُ المحارم . وليس في الطرق ما يخالف قولَه والمرعي فيه ، أنه يعظُم على الإنسان [ مفارقة ذويه وقراباته ، كما يعظم عليه ] ( 5 ) مفارقةُ زوجته ، فاشتراط نفقة الإياب لذلك . وإن لم يكن له أهل ، على ما فسرناه ، ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان : أحدهما - أنها لا تشترط ؛ فإن البلاد متساويةٌ ، في حق من لا أهل له . والثاني - أنّا نشترط نفقة الإياب ؛ لما في النفوس من الحنين إلى الأوطان . ولم يتعرض أحدٌ من الأصحاب ، للمعارف والأصدقاء ، كانوا ، أو لم يكونوا ؛ فإن الاستبدال عن الصديق ممكن ، بخلاف الأهل ؛ فإن الاستبدال فيه قد يعسر ، ولا يفرض في القرابات إلاّ على بُعد .

--> ( 1 ) في الأصل ، ( ك ) : قول . ( 2 ) ( ك ) : استقرار . ( 3 ) الأصل ، ( ك ) : مسائل . ( 4 ) ( ط ) : الجسم . ( 5 ) ساقط من ( ك ) .