عبد الملك الجويني

67

نهاية المطلب في دراية المذهب

وقد يلوح في هذه الصورة معنى ، وهو أن من أقامها فقد يبتدره النوم ، ومن أخرها فقد يوفَّق لصلاةٍ أو غيرها من الخيرات قبل المنام . ومما يستثنى من القاعدة ، الإبراد بصلاة الظهر ، والأصل فيه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اشتكت النار إلى ربها ، فقالت : قد أكل بعضي بعضاً ، فأَذِن لها في نَفَسَينِ ، نَفسٍ في الشتاء ونَفَسٍ في الصيف ، فأشد ما تجدون من الحرّ من حرها ، وأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها ، فإذا اشتد الحر ، فأبردوا بالصلاة ، فإن شدّة الحر من فَيْحِ جهنم " ( 1 ) . فالذي صار إليه معظم الأئمة أن الإبراد بصلاة الظهر في الحرّ سنة . وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص : أن من أئمتنا من عدَّ الإبرادَ رخصة ، ولم يره سنة ، والحديث الذي رويناه يدل ظاهره على أن الإبراد محثوث عليه ، مأمور به . ثم ذكر الشيخ أبو علي أن الإبراد - رخصةً كان أو استحباباً - مخصوص بالبلاد الحارة . وكان شيخي يُجريه في بلادنا المعتدلة في شدة الحر ، فإن الحر في هذه البلاد ينتهي إلى مبلغ يتأذى المشاة فيه بالمشي في إشراق الشمس ، فالمرعي رفعُ الأذى . وقد ذُكر أن النهيَ عن استعمال الماء المشمس يختص بما شُمِّسَ في البلاد الحارة ، والسببُ فيه ، أن المحذور منه أثر طبِّي ، وهو يختص بحِلابة تتحلّب من النُّحاس وغيره فتلقَى البشرةَ ، وهذا لا يتوقع في البلاد المعتدلة ، والتأذي بحرِّ الشمس جار في البلاد المعتدلة والحارة جميعاً . ثم الغرض من الإبراد تأخير الصلاة في الظهر إلى أن يظهر فيء الأشخاص ( 2 ) ، فيمشي الماشون في الفيء إلى الجماعات ، وليس المعني بالإبراد الانتهاء إلى برد العَشيِّ ؛ فإن ذلك قد لا يحصل في البلاد الحارة ، وإن دخل وقتُ العصر . ثم ذكر

--> ( 1 ) حديث " اشتكت النار . . . " متفق عليه من حديث أبي هريرة ( اللؤلؤ والمرجان 1 / 121 ح 357 ، وانظر التلخيص : 1 / 181 ح 260 . ) . ( 2 ) الأشخاص : أي الأشياء الشاخصة المرتفعة : من شَخَص الشيءُ شخوصاً : إذا ارتفع ( المعجم ) .