عبد الملك الجويني

60

نهاية المطلب في دراية المذهب

خلاف ما اعتقده وصح على شرطه ، لكان يرجع إِلى موافقة الحديث . فكأنه في ( الجديد ) قال : مذهبي في التثويب ما صح من قصّة أبي محذورة . 704 - قال : " وأحب ألا يُجعَل مؤذن الجماعة إِلا عدلاً ثقة ؛ لإِشرافه على الناس " ( 1 ) . قوله : " لإِشرافه على الناس " يحتمل وجهين : أحدهما - لإِشرافه في الغالب على المساكن والبيوت ، لصعود منارة أو نَشَز ( 2 ) ، وقد يقع بصره على العورات . والثاني - لإِشرافه على الناس في مواقيت أشرف العبادات . قال : " وأحبّ إليَّ أن يكون صيِّتاً حسن الصوت ليكون أرقَّ لسامعه " ( 3 ) . لأن الدعاء من العادات إِلى العبادات جذبٌ إِلى خلاف ما يقتضيه استرسال الطبائع ، فينبغي أن يكون الداعي حلو المقال ؛ لترق القلوب ، وتميل إِلى الاستجابة . قال : " وأحب أن يكون الأذان على ترسلٍ ، من غير بَغْي وتمطيط يزيل نظم حروف الكلم ، وتكون الإِقامة على إدراجٍ ، مع الوفاء بالبيان " ( 4 ) . وبالجملة الأذان افتتاح الدعاء ليتأهب المتأهبون ، فيليق به الترسل لغرض الإِبلاغ ، والإِقامة للانتهاض للصلاة وتنبيه الحاضرين ، فيليق به الإِدراج ، ثم المرعي الوسط في الأمرين جميعاً .

--> ( 1 ) ر . المختصر 1 / 62 . ( 2 ) النشْز : بفتح الشين وإسكانها ما ارتفع من الأرض ( المعجم ) . ( 3 ) ر . المختصر : 1 / 62 . والصيّت بوزن السيد والهيِّن : هو الرفيع الصوت ، وهو فَيْعل من صات يصوت . ( الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي فقرة : 80 ) . ( 4 ) ر . المختصر : 1 / 62 . والترسّل : التبيين ، والمترسل : هو الذي يتمهل في تأذينه ، ويبين كلامه تبييناً . والبغي : في الأذان : أن يكون رفعه صوته يحكي كلام الجبابرة ، والمتكبرين ، والمتفيهقين ، فالصواب أن يكون صوته بتحزين وترقيق ، ليس فيه جفاء كلام الأعراب ، ولا لين المتماوتين . والبغي في كلام العرب : الكبر . والإِدراج هو أن يصل الإِقامة بعضها ببعض ، وأصل الإِدراج الطي : يقال : أدرجت الكتاب والثوب ، ودرجتهما إِدراجاً ودرجاً : إِذا طويتهما على وجوههما . ( ر . الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي : 80 ، 81 ) .