عبد الملك الجويني
429
نهاية المطلب في دراية المذهب
مقصده الأول ، فظاهر المذهب في هذه الصورة أنه يقصر ؛ من جهة أنه خرج ملابساً سفراً طويلاً ، وكان ذلك مبتدأ حاله إلى أن يطرأ قاطع ، وتوقع الالتقاء بمن عينه لا يقطع حكم سفرِه ؛ فإن ذلك أمرٌ مظنون ، وملابسته السفرَ الطويل كان مقطوعاً به ، فلا ينقطع ، ما لم يلق فلاناً ، فإذا لقيه ، خرج عن كونه مسافراً ، وحكمه الآن حكم المقيم ، جرياً على حكم نيته ، وقد حقَّت وتنجزت ، فانقطع سفرُه . فإن ابتدأ وراء هذا سفراً ، نظرنا فيه وفي صفته كما تقدم . ومن أصحابنا من يقول : إذا خرج رابطاً نيته بسفر طويل ، ثم نوى أنه لو لقيه فلان ، لرجع ، فقد خرج عن كونه مسافراً سفراً طويلاً ، وبطلت النية الأولى ، فصار كما لو خرج في الابتداء ونيته الأولى على هذا الوجه . 1270 - وحكى الأئمة عن نص الشافعي مسألة تداني ما ذكرناه ، وهي أن الرجل لو خرج عازماً على أن يخرج إلى بلدة عيَّنها في نيته ، ويقيم بها أربعة أيام ، ثم يخرج منها إلى بلدة أخرى عيَّنها ، فإن لم يكن بين منشأ سفره وبين البلدة الأولى مرحلتان ، فإنه لا يقصر ؛ فإن سفره سينقطع على موجب نيته بإقامته في البلدة الأولى ، فهذه سفرةٌ في نفسها ، وليست طويلة ، فإنْ فرض خروجه إلى البلدة الثانية ، فهذه سفرة أخرى جديدة ، فإن لم تبلغ المسافة بين البلدتين مرحلتين ، فإذا خرج ، أخذ في القصر ، وكذلك القول في السفرة الثانية . فلو أنه ربط نيته في أول خروجه بالمصير إلى البلدة الثانية من موضع خروجه ، وكان جميع المسافة بالغاً مرحلتين ، فصاعداً ، فإنه يقصر ، فلو خرج على هذه الجملة ( 1 ) التي وصفناها ، ثم بدا له بعد الخروج أن يقيم ببلدة في وسط الطريق أربعة أيام ، وليست المسافة الآن بينه وبين البلدة التي ربط النية بها مرحلتين ، فإن الشافعي يقصر في هذه الصورة ؛ فإن سفره الأول ثبت على وجه يتعلق به القصر ، ثم طرأ بعد ذلك نيةٌ أخرى ، فلا معوّل على النية الثانية ، وحكم النية الأولى قائم ، إلى أن ينتهي إلى البلدة التي ربط السفر بها في الكَرة الثانية ، فإذا انتهى إليها وقصد الإقامة ، بطل الآن السفر ، فإذا خرج من البلدة الأولى ، فهذا سفر
--> ( 1 ) كذا في جميع النسخ ، والمعنى : خرج على نية قطع هذه الجملة ، أي المسافة بين وطنه والبلدة الثانية .