عبد الملك الجويني

428

نهاية المطلب في دراية المذهب

مستوفزاً ، فلا يقصر ، وإن كان غريباً في تلك البلدة ، وكان قد أقام فيها مدة ، ثم فارقها وعاد إليها كما ذكرناه ، فهل يقصر ؟ فعلى وجهين : أصحهما - أنه يقصر ؛ فإنه لم تكن البلدة وطنَه ، ولكن أقام بها ، ثم تقلع عنها ، فصارت البلدة في حقه كسائر المنازل ، ومن أصحابنا من جعله كالمتوطّن ، يسافر ثم يعود . فرع : 1266 - إذا أقام قوم في طرفٍ من البادية ، وكانت خيامُهم متبددة متفرقة ، فقد ذكر الصيدلاني في ذلك ضبطاً ، فقال : إن كانوا بحيث يجتمعون للسمر في نادٍ ، وكان يستعير ( 1 ) بعضهم من بعض ، فهم مجتمعون ، فلا بد من مفارقة الخيام . وإن أفرط التباعد بحيث لا يجتمعون ، ولا يستعين بعضهم ببعض ، فأهل كل خيمة ينبغي أن يفارق خيمته وحريمَها ، كما ذكرنا في الخيام . فصل 1267 - إذا خرج مسافراً ، يقصر من وقت خروجه ومفارقته الوطن ، بشرط أن تكون نيتُه مربوطة بسفر طويل ، فأما إذا لم يرتبط قصده بسفر طويل أو قصير ، ولم يخطر له مقصد ، ولكنه خرج هائماً على وجهه ، فهذا لا يقصر ولا يترخص رُخَصَ المسافرين ، وإن سافر على هذه السجية ألف فرسخ ؛ فإنه لما خرج ، كان لا يدري أنه في سفر طويل أو قصير ، ثم هذا يجري في كل حالاته ، والذي طواه قبلُ من المسافة لا أثر له ، وإنما النظر في حاله ، وفيما بين يديه . 1268 - ولو أنه خرج لردِّ عبد آبق ، أو طلب غريم ، وكان لا يدري أنه يُدرك على القرب أو على البعد خصمَه ، فحكمه حكم الهائم في بعض السفر ، لأنه ليس له مقصد معيّن ، ولا نحكم عليه بأنه في سفر طويل أو قصير ، والقصرُ الذي نحن فيه مختص بالسفر الطويل . 1269 - ولو خرج مسافراً رابطاً قصده بطيّ مسافةٍ تبلغ مرحلتين ، فصاعداً ، ثم طرأ عليه بعد خروجه نيةٌ ، فعزم أنه مهما ( 2 ) لقي فلاناً ، انصرف ، وإن لم يلقه ، تمادى إلى

--> ( 1 ) فسر هذه الاستعارة بالاستعانة في الجملة الآتية . ( 2 ) " مهما " : بمعنى إذا .