عبد الملك الجويني
403
نهاية المطلب في دراية المذهب
يفصل بين بقعة وبقعة ، وهذا قياس بيّن ، ليس يخفى على المتأمل . ولكن الشافعي راعى مع إمكان الوقوف على حالات الإمام أن يكون الإمام والمأموم بحيث يعدان مجتمعين في بقعة ، وقال : من مقاصد الاقتداء حضور جَمْعٍ ، واجتماعُ طائفةٍ على مكان عند الصلاة في الجماعة . 1229 - ولا يعد من الجماعة أن يقف الإنسان في منزله المملوك ، وهو يسمع أصوات المترجمين في المسجد ، ويصلي بصلاة الإمام ، ثم معتمد الشافعي في الشعائر المتعلقة بالصلاة رعاية الاتباع ؛ فإن [ مبنى ] ( 1 ) العبادات عليها وهذا حسن . 1230 - فإذا تبين ذلك ، فالمسجد إن كان جامعاً للإمام والمقتدي ، لم يضر إفراط البعد ؛ فإن المسجد لهذا الشأن ، فيحمل الأمر على أن المجتمعين فيه للصلاة متواصلان ، فأما الصحراء الموات ، فمحطوط عن المسجد ، من جهة أنه ليس مكاناً مهيّأً لجمع الجماعات ، وهي مشابهة من وجهٍ للمسجد ؛ فإن الناس مشتركون فيه اشتراكهم في المسجد ، فقال رضي الله عنه : لذلك : " لا يشترط في الموقف اتصال الصفوف " ، ثم ضبَطَ القربَ المعتبر بثلاثمائة ذراع . والأصح أن هذا تقريب منه ، وليس بتحديد ، وكيف يطمع الفقيه في التحديد ، ونحن في إثبات التقريب على عُلالة ؟ وقد قيل : اعتبر الشافعي في ذلك المسافة التي تنحى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بطائفةٍ من أصحابه عن موضع القتال . وقد قيل : إنها كانت قريبةً مما ذكرناه ، فإنه تباعد تباعداً لا ينال المصلي فيه سهمُ الأعداء غلوة ( 2 ) . ونبال العرب لا تنتهي إلى مثل هذه المسافة ، وإنما تعلق الشافعي بذلك ؛ لأن في بعض الروايات أن الذين كانوا في الصف في بعض الأحوال كانوا على حكم الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذه الرواية وإن كانت في صلاة ذات الرقاع ، ولا يختار الشافعي العملَ بها ، فهي صحيحة ، وإذا عدمنا في محاولة الضبط [ تقريباً ] ( 3 ) ، اكتفينا بمثل هذا ، وعددنا هذا نوعاً من التواصل .
--> ( 1 ) في الأصل ، ( ت 1 ) ، ( ط ) : " معنى " ، والمثبت من ( ت 2 ) ، ثم صدقتها ( ل ) . ( 2 ) الغَلْوة : رمية السهم . وتقدر بثلاثمائة إلى أربعمائة ذراع . ( المعجم ) . ( 3 ) في ( ت 2 ) : " تفريقاً " ، وفي باقي النسخ " تفريعاً " ، والمثبت جاءتنا به ( ل ) .