عبد الملك الجويني

323

نهاية المطلب في دراية المذهب

مقدار الماء على مقدارها بنسبة المغالبة مقطوعٌ ، لا مراء فيه . 1100 - وكل ما ذكرناه والنجاسة التي أصابت الأرضَ مائعة ، فأمّا إذا كانت جامدةً ، فلا يُحكم بطهارة موردها ، ما دامت النجاسة شاخصة قائمة ، فالوجه نقل تلك الأعيان ، ثم صب الماء ، والمغالبة بعد ذلك . فهذا بيان استعمال الماء في الأرض ، وتنزيل نضوب الماء منزلة العصر في الثوب . 1101 - ثم قال الشافعي : إذا أصاب الأرضَ بول ، ثم حميت الشمس عليها أياماً ، وزالت آثار النجاسة ، لم تطهر الأرض ، ما لم يُستعمل الماء على الترتيب المذكور . ونص في القديم على أن الأرض تطهر إذا زالت النجاسة بهذه الجهة ، فاتخذ المفرّعون هذا القول القديمَ أصلاً ، وخرجوا عليه أشياء كما سنذكرها وِلاءً إن شاء الله . منها أن الزبل ( 1 ) إذا اختلط بالتراب وتطاول الزمان ، وخرج عن صفته ، وانقلب إلى صفة التراب ، والتفريعُ على القول القديم ، ففي الحكم بطهارته وجهان : أحدهما - نجس ؛ فإنَّ عين النجاسة قائمة . والثاني - أنه طاهر لانقلابه تراباً ، وللاستحالة أثر في تغيير الأحكام ؛ فإن العصير إذا اشتدّ ينجُس ، ثم إذا انقلبت الخمر خلاً ، فالخل طاهر في نفسه . وقالوا : إذا وقع كلب في المملحة ، فانقلب على مر الزمان ، ملحاً ظاهراً وباطناً ، فهل يطهر ؟ وهل نحكم له بما نحكم به للملح ، لمكان هذه الاستحالة ؟ فعلى الوجهين المذكورين في انقلاب الزبل تراباً . 1102 - ثم مذهب أبي حنيفة أن رماد كل عين نجسة طاهر ( 2 ) ، وهذا بعيد على مذهب الشافعي ، وقد صار إليه أبو زيد المروزي والخِضري ( 3 ) من أصحابنا ، تفريعاً على القول القديم .

--> ( 1 ) في ( ت 2 ) : البول . ( 2 ) ر . فتح القدير : 1 / 200 ، بدائع الصنائع : 1 / 85 . ( 3 ) " الخِضري " جاء في ( ت 1 ) بالحاء المضمومة ، والضاد مفتوحة ، وهو سبق قلم من الناسخ . عفا الله عنا وعنه .