عبد الملك الجويني

324

نهاية المطلب في دراية المذهب

1103 - ومما أجراه الأصحاب على ذلك أن قالوا : إذا ضُرب اللَّبِن ( 1 ) بماءٍ نجس ، وجف ، فهو نجس ، فلو صب على ذلك ماء طهور حتى انتقع ووصل الماء إلى أجزائه ، كان هذا بمثابة ما لو أصاب الأرضَ نجاسة فصب الماء عليها ، وكوثرت به . ولو اتخذ من ذلك اللَّبِن آجُراً ، فهل يطهر ؟ قالوا : إن حكمنا بأن الشمس لا تطفر ، فالآجر نجس ، وإن قلنا : بأن الشمس تطهر ، فالنار أقوى أثراً وأبلغ ، فينبغي أن يطهر الآجُر . وحاصل هذا القول فيما ذكرناه : أنا على الجديد لا نحكم لشيء أصابته نجاسة بالطهارة ، حتى يُصبَّ عليه الماء ، كما تفصل ، وإن احتُفر الترابُ ، ونقل ، فهذا من باب إعدام محل النجاسة ، وهو كما لو أصابَ ثوباً نجاسة ، فقُرض موردها بمقراض ونُحي . فهذا قاعدة المذهب . 1104 - ونصَّ الشافعي في القديم أن الشمس إذا حميت وأزالت عينَ النجاسة ، طهر المكان ، ونزل منزلة ما لو احتُفر التراب ونُقل ، وقد تحقق عدم النجاسة ، فخرج أصحابنا على القول القديم فرعين : أحدهما - انعدام العين [ بتأثير النار ، وهذا التخريج متجه منقدح لا بد منه ] ( 2 ) . والثاني - تغير صفات النجاسة بانقلابها تراباً ، أو ملحاً ، أو رماداً ، كما ذكرناه ، وهذا أبعد من جهة أن عين النجاسة قائمة ، وإنما تغيرت الصفات ، وحالت من نعت الإنتان ، وصفة الاستقذار إلى نعتٍ آخر ، وكان هذا تخريجاً على التخريج تقريباً . والذي يقتضيه الترتيب أن يقال : إذا جعلنا خطفَ الشمس والنار لعين النجاسة تطهيراً ، ففي تغيّر الصفات وجهان . ثم ينبغي أن تتغير إلى صفات أعيان طاهرة النوع كالذي ينقلب تراباً ، أو ملحاً ، أو رماداً ، فإن هذه أنواع طاهرة في أنفسها .

--> ( 1 ) " اللبن " هو القوالب التي تصنع من الطين المخلوط بالتبن ونحوه ، ويجفف ويبنى به ، وقد يحرق بالنار ويطبخ بها حتى يستحيل إلى آجر ، وصناعته تسمى ( الضرْب ) . ( 2 ) زيادة من : ( ت 1 ) ، ( ت 2 ) .