عبد الملك الجويني

275

نهاية المطلب في دراية المذهب

وكذلك لو شك ، فلم يدر أسجد سجدةً أو سجدتين ، فيأخذ بأنه سجد سجدة واحدة ، ويأتي بسجدة أخرى . ثم أجمع الأئمة قاطبة في أنه بهذا السبب الذي جرى ، وهو بناؤه على الأقل وإتيانه بسجده أخرى لا نأمره بسجدتي السهو ابتداءً ، وإن كان قياس البناء على الأقل في ركعات الصلاة يوجب أن يسجد هاهنا ؛ فإنه يجوز أن تكون السجدة التي أتى بها أو السجدتان جرتا على حكم الزيادة ، وأنه قبلهما سجد سجدتين ، وحكى الأئمة الوفاق في ذلك من المذاهب كلها . وفي هذه المسألة جرت مفاوضة بين الكسائي ( 1 ) وأبي يوسف ( 2 ) ، فإن الكسائي قال : من تبحر في صنعةٍ يهتدي إلى سائر الصنائع ، فقال أبو يوسف : فأنت متبحر في العربية ، فما قولك فيمن شك هل سجد للسهو أم لا ؟ فأَخَذَ ( 3 ) بأنه لم يسجد ، فسجد ، هل يلزمه السجود لجواز أن السجدة التي أتى بها بعد التردد زائدة ؟ فقال الكسائي : لا يسجد ، فسأله العلّة ، فقال : لأن المصغَّر لا يصغر . فذكر العلة في صيغة مسألة من العربية ، وذلك لأن التصغير لو صغر ، لصغر تصغير التصغير ، ثم هذا يتسلسل إلى غير نهاية . كذلك الذي سجد للسهو في السجود ، فلو أمرناه بالسجود لذلك ، فقد يسهو على النحو الأول ، فلو سجد السجدتين الأخريين اللتين أمرناه بهما ، فيحتاج إلى أن يسجد مرة أخرى ، ثم يفرض مثل هذه الوسوسة أبداً . فعُدَّ هذا من محاسن آثار فطنة الكسائي ؛ فإنه أصاب أولاً في الجواب ، ثم طبق مفصل التعليل ، وأتى بمسألة من

--> ( 1 ) الكسائي : علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي بالولاء . الكوفي ، مؤدب الرشيد ، وابنه الأمين ، وجليس الخلفاء ، إمام اللغة ، والنحو ، والقراءات . ت 189 ه‍ ( الأعلام للزركلي ) . ( 2 ) أبو يوسف : يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري . صاحب الإمام الأعظم أبي حنيفة ، وقاضي القضاة ، وناصح هارون الرشيد ، ومؤلف كتاب الخراج له . ( ر . الجواهر المضية في طبقات الحنفية : 2 / 220 ، والبداية والنهاية : 10 / 180 ) . ( 3 ) كذا في جميع النسخ ، وفي ( ت 2 ) : " فأخبر " وهي واضحة المعنى ، أما " أخذ " فمعناها : رأى واختار ، ثم جاءتنا ( ل ) فكانت مثل سابقاتها : " فأخذ " .